فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 321

إذًا نقول: الإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه، ودائمًا أن المصنف لاحظ أنه يأتي بالنص الشرعي، لأن طالب العلم ينبغي أن يتقن هذه القاعدة: الإحسان لفظ شرعي حقيقة شرعية، إذًا من عند الله جل وعلا، من الذي يفسر هذا اللفظ؟ الله هو الشرع حينئذٍ لا نأتي بالعقول ولا نأتي بالأهواء ونحو ذلك، ونفسر هذه الألفاظ الشرعية ونزيدها قيودًا وشروطًا ونحو ذلك. فحينئذ كلٌّ التوحيد والإسلام والإيمان والإحسان تفسر بماذا؟ بالشرع نفسه، ولذلك هنا قال: (وَهُوَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ» ) وهذا تعريف النبي - صلى الله عليه وسلم - ولن تجد تعريفًا للإحسان يجمع مجامع الإحسان بمثل هذه العبارة، لأنه أوتي جوامع الكلم - صلى الله عليه وسلم -.

قال الشيخ هنا رحمه الله تعليق على هذه المرتبة العظيمة: (وأما بالنسبة للإحسان في عبادة الله فأن تعبد الله كأنك تراه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه العبادة - أي عبادة الإنسان لربه - كأنه يراه عبادة طلب وشوق، فيها محبة وفيها شوق لأن من أركان العبادة المحبة.

وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ

حينئذٍ لا بد من المحبة فتورث الطلب والشوق إلى الله جل وعلا، وهذه يجد الإنسان من نفسه حاثًّا عليها، لأنه يطلب هذا الذي يحبه، فهو يعبده كأنه يراه، فيقصده وينيب إليه ويتقرب إليه سبحانه وتعالى. فإن لم تكن تراه فإنه يراك، وهذه عبادة الهرب والخوف، مطلعٌ عليك يسمع أقوالك ويرى أعمالك، إذًا يورث في النفس خوفًا ويترتب عليه ويثمر الهرب من الله جل وعلا إليه، ولهذا كانت هذه المرتبة ثانية في الإحسان.

إذا لم تكن تعبد الله عز وجل كأنك تراه، وتطلبه، وتحث النفس للوصول إليه، فاعبده كأنه هو الذي يراك فتعبده عبادة خائف منه، هاربًا من عذابه وعقابه. وهذه الدرجة عند أرباب السلوك أدنى من الدرجة الأولى، وكلاهما من عند الله جل وعلا، لأنه قال: ( {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} ) . فإذا كانت الثانية لا يلزم منه أن تكون قاصرة أو في نفسها قاصرة، لا، بل هي من الشرع ولها مكانتها العظيمة. وعبادة الله جل وعلا كما قال ابن القيم رحمه الله:

وَعِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ ... مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ هُمَا قُطْبَانِ

والعبادة مبنية على أمرين: غاية الحب، وغاية الذل، ففي الحب الطلب، وفي الذل الخوف والهرب، فهذا هو الإحسان في عبادة الله عز وجل.

ثم قال المصنف رحمه الله تعالى بعد ما أنهى المرتبة الثالثة وهي مرتبة (الْإِحْسَانُ) : (وَالدَّلِيلُ) . أي على ماذا؟ على مراتب الدين الثلاثة، أنت جئت قلت: وهو على مراتب ثلاث، وجئت بالإسلام وفسرته بأركانه الخمسة، وجئت بالإيمان ثانيًا مرتبة ثانية وفسرته بأركانه الستة، وجئت للإحسان وعرّفته حينئذٍ لا بد من دليل، ما هو الدليل على هذه المراتب الثلاث؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت