(وَأُرْسِلَ بِـ {الْمُدَّثِّرُ} ) لأن الإنذار جاء في سورة المدثر، ولم يرد في سورة إقرأ، وقال بعضهم: أن المدثر هي أول ما نزل منه، والصواب هو الأول، ولذلك سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أم سلمة عن جابر سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن فترة الوحي - يعني انقطاع الوحي بعد ما جاء في غار حراء أوَّلًا، فقال - صلى الله عليه وسلم - كما جاء في الحديث: «فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس علي كرسيّ بين السماء والأرض، فرجعت فقلت: زملونى، زملونى، فدثروني فأنزل الله {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} [المدثر: 1] » . فدل على ماذا؟ لأنه قال: «الملك الذي جاءني بحراء» . فإذًا هذا المجيء ثانيًا اللا أولًا، فدل على أن المدثر هي سبب نزول هذه القصة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجع إلى بيته يرتجف فقال: «زملونى، زملونى» ، فدثروه فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} . إذًا هذه الثانية وليست أولًا. والصواب بأن يقال أن اقرأ هي أول ما نزل صدر اقرأ:
اقْرَأْ عَلَى الأَصَحِّ فَالمُدَثِّرُ ... أَوَّلُهُ وَالعَكْسُ قَوْمٌ يَكْثُرُ
(وَأُرْسِلَ) أي بعث (بِـ {الْمُدَّثِّرُ} ) ، أيضًا بصدرها على ما سيذكره المصنف رحمه الله تعالى.
(وَبَلَدُهُ مَكَةُ) يعني ولد بها، ولد بمكة، وهاجر إلى المدينة هاجر إلى المدينة. ولد بمكة يعني ولد فيها ونشأ بها ثم ارضع في بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية، ثم رجع إلى مكة عند جده عبد المطلب، ثم بعد وفاة جده عبد المطلب انتقل إلى حضانة عمه أبي طالب، ماتت أمه آمنة بنت وهب وعمره ست ستين، وبقي بمكة ثلاث عشرة سنة بعد الوحي، ثم هاجر إلى المدينة. لذلك قال: وهاجر (وَبَلَدُهُ مَكَةُ) هي الأصل وإن كان ارضع في بني سعد، بعد أن هموا بقتله - صلى الله عليه وسلم - (هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ) فتغيب في الغار، ثم سار هو وأبو بكر مهاجرًا إلى المدينة، وذلك بعد أن بايعوه على النصرة والمؤازرة يعني الأنصار في شهر ذي الحجة.
(وَأُرْسِلَ بِـ {الْمُدَّثِّرُ} ، وَبَلَدُهُ مَكَةُ، وهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) هذا أهم ما يذكر، وأهم وآكد ما يجب في معرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما الذي بُعِثَ به محمد - صلى الله عليه وسلم -؟
ما الذي بُعث به؟ التوحيد لذلك قال: (بَعَثَهُ اللهُ) . يعني أرسله الله جل وعلا، لحكمة عظيمة (بِالنِّذَارَةِ) والإنذار إبلاغ وإعلام مع التخويف، {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} [النساء: 165] . إذًا ليس إنذارًا فقط، إنما يُنذرون ويعلنون ويخوفون من عصاهم ورد عليهم دعوتهم، ويبشرون برضوان الله جل وعلا وثوابه وجنته من أطاعهم فقبل دعوتهم. لذلك قال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ، (بَعَثَهُ اللهُ) أرسله (بِالنِّذَارَةِ) والإنذار إبلاغ مع التخويف، نذارة عن ماذا؟