فهرس الكتاب

الصفحة 301 من 321

(عَنِ الشِّرْكِ) كله أكبره وأصغره، وخفيّه، ظاهره وباطنه، (وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) هنا قدم النذارة عن الشرك على الدعوة إلى التوحيد، لأن هذا هو مدلول لا إله إلا الله، أراد أن يوافق لا إله إلا الله، (لا إله) هذا نفي لِمَا يُعبد من دون الله نفيٌ للمعبودات، (إلا الله) إثبات، نافيًا جميع ما يُعبد من دون الله، (إلا الله) مثبتًا جميع أنواع العبادة لله جل وعلا، ولذلك قدّم وأخر مراعاة لكلمة التوحيد.

إذًا الذي بُعث به النبي - صلى الله عليه وسلم - هو النذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد بأنواعه الثلاثة، (وَالدَّلِيلُ) على أنه بعث بالإنذار عن الشرك والدعوة إلى التوحيد (قَوْلُه ُتَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} [المدثر: 1 - 7] ) . هذا ما قيل أنه أول ما نزل، بل نقول: هذا ثاني ما نزل، وأول ما نزل باعتبار فترة الوحي، يعني قول: من يرى أن المدثر أول ما نزل نقول: ليس مطلقًا وإنما هو باعتبار ماذا؟ باعتبار انقطاع فترة الوحي. ( {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ) أصلها المتدثر أدغمت التاء في الدال لتقاربهما، ( {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ} ) أي المتدثر بثيابه المتغشي بها من الرعب، الذي حصل له من رؤية الملك عند نزول الوحي، ( {قُمْ فَأَنذِرْ} ) قم من دثارك فأنذرهم وخوفهم وحذرهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا ويجيبوا دعوتك، وبهذا حصل الإرسال كما حصل بالأول النبوة، حصلت النبوة بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] . وحصل الإرسال بقوله: ( {قُمْ فَأَنذِرْ} ) لأنه أمر بالدعوة إليه جل وعلا.

( {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ) الرجز أي اترك الأوثان ولا تقربها، الرُّجز الرِّجس {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج: 30] . إذا الرجز والرجس يطلق على الأوثان والأصنام. ( {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ) فاهجرها واتركها وابتعد عنها.

إذًا قدَّم ما حقه التأخير للدلالة على الأهمية. والرُّجز المراد به القذر مثل الرجس {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} .

( {وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ} ) أي حالة كونك مستكثرًا، فـ ( {تَسْتَكْثِرُ} ) هذه جملة في محل نصب حال من فاعل تمنن، أي لا تعط مالك مصانعة لتُعطى أكثر منه، قاله ابن جرير رحمه الله. أو لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، واختاره ابن كثير رحمه الله.

( {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ) فاصبر لربك، لربك هذا جاء ومجرور متعلق بقوله: ( {فَاصْبِرْ} ) ، قدَّمه وحقّه التأخير، فاصبر لربك أي لا لغيره. ( {فَاصْبِرْ} ) على ماذا؟ على ما تلقاه لأنه قال: ( {قُمْ فَأَنذِرْ} ) ، إذًا لا بد من ماذا؟ لا بد من الأذية، وسبق معنا المسألة الثالثة: الدعوة إلى الله فيه، ثم قال: الرابعة الصبر على الأذى فيه، هو لازم لا بد منه، فلما قال له: ( {قُمْ فَأَنذِرْ} ) إذًا ( {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ) لا بد أن يكون صابرًا على ما يلقاه من أذية قومه، ومخالفة أهوائهم بدعوتهم إلى التوحيد ونحو ذلك. ( {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} ) يعني على طاعته وأوامره أو على ما أوذيت في الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت