قال: (وَمَعْنَى {قُمْ فَأَنذِرْ} : يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) . وهذا أساس دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ( {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} أَيْ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ) يعني صفه بالعظمة فإنه أكبر من أن يكون له شريك، الله أكبر من أن يكون له شريك في ربوبيته، أو في أسمائه وصفاته، أو في إلوهيته.
( {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} ) بعضهم قال: نفسك فطهر، يعني طهرها من الذنوب والمعاصي
كنَّى عن النفس بالثوب لأنها تشتمله، والمصنف هنا حملها على معنى أدق وهو قول آخر في الآية: (أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ مِنَ الشِّرْكِ) .
هل المراد بالثياب الحسية أو المعنوية؟ قولان، وإن كان الظاهر والعلم عند الله أنها الثياب الْحِسِّيَّة (أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ مِنَ الشِّرْكِ) .
( {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} ، الرُّجْزُ: الأَصْنَامُ) والأوثان قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنه. ويقال الشرك وهو متلازم أو لازم للأول {فَاهْجُرْ} أي فاهجرها، والهجر في أصل اللغة الترك والبعد والمجانبة يعني ابتعد عنها {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] . (وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا) ولذلك قال الخليل عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [مريم: 48] . فلا يتم توحيد العبد حتى يتبرأ من الكفر وأهله، ويباعدهم وينابذهم، كما أخذناه في المسألة الثالثة: أن من أطاع الرسول ووًحَّد الله لا يجوز له موالاة من حادّ الله ورسوله والدليل إلى آخر ما ذكرناه. و (أَخَذَ عَلَى هَذَا) الذي ذُكر أوَّلًا من بيان التوحيد والدعوة إليه وبيان الشرك والإنذار عنه، (عَشْرَ سِنِينَ) في مكة (يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ) ، توحيد الرب جل وعلا لأنه هو المقصود الأعظم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو الأساس الذي يقوم عليه الدين كله، وبدونه لا يصح عمل من الأعمال البتة لا بد من القاعدة الأساسية الأولى، ثم بعد ذلك نأتي إلى الفروع. ولذلك - كما سيأتي - أنه بعد أن استقر في المدينة نزلت التكاليف والشرائع، وأما في مكة أخذ يدعو إلى التوحيد، ونبذ الشرك، والبعد عنه عشر سنين يدعو إلى التوحيد. (وَبَعْدَ العشرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ) ، (السَّمَاءِ) (أل) هنا للجنس أي جنس السماوات، وهذا بعد الإسراء لأنه أُسْرِيَ به عليه الصلاة والسلام {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} [الإسراء: 1] . فحصل الإسراء أولًا ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِجَ به إلى السماء السابعة. أُسْرِيَ بجسده وروحه جميعًا على الصحيح، من المسجد الحرام على البراق إلى بيت المقدس يقظةً لا منامًا على الصحيح، ثم صعد به جبرائيل إلى السماء على المعراج وهو المصعد الذي تصعد فيه الملائكة، كلما مر بسماء تلقاه مقربوها، حتى جاوزهم أو جاوز به جبريل إلى سدرة المنتهى، فبلغ من الارتفاع والعلو إلى ما الله به عليم، ودنى منه الجبار جل وعلا وكلمه كفاحًا بلا واسطة، فأوحى إليه ما أوحى.