إذًا قوله: (وَبَعْدَ العشرِ) يعني عشر مكة (عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ) آنذاك في السماء السابعة (الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ) وفُرضت، من الذي فرضها؟ الله جل وعلا، إذًا حذف الفاعل للعلم به، لأنه لما ارتفع إلى السماء إذًا لم يكن إلا لله جل وعلا. (وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ) أي فرض الله تعالى (عَلَيْهِ) يعني على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى أمته، لأن الحكم هنا ليس خاصًّا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بل أمته تبع له.
(وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ) ليلة المعراج، وكان أول فرضها خمسين صلاةً ولم يزل يتردد بين موسى وربه حتى وضعها إلى خمسٍ، فهي خمسٌ، وهنَّ خمسون، الحسنة بعشر أمثالها. (وَصَلَّى فِي مَكَّةَ) عليه الصلاة والسلام (ثَلاَثَ سِنِينَ) حينئذ يكون الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، والمسألة فيها خلاف. (وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلاَثَ سِنِينَ)
يعني بعد العشر بعد أن عُرج به، وفُرضت عليه قبل الهجرة، حينئذ يكون الإسراء قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقيل: سنة، وقيل: نصف سنة، (وَبَعْدَهَا) يعني بعد الثلاث عشرة من بعثته، إذ عشر وثلاث صارت ثلاثة عشر سنة. (وَبَعْدَهَا) أي بعد الثلاث عشرة من بعثته - صلى الله عليه وسلم - (أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ) ، (أُمِرَ) أَمَرَ إيجابٍ وحتم لازم وفرض (بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ) يعني بمفارقة المشركين ومسكنهم، بحيث يتمكن من إظهار دينه، لما لم يكن ثَمَّ أمكانية من إظهار الدين في مكة وهي بلد شرك آنذاك (أُمِرَ) بمفارقة هذه البلدة ليتمكن من ماذا؟ من إظهار دينه في المدينة.
والدليل على أن الهجرة بعد ثلاثة عشر سنة، جاء في البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: (بُعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأربعين سنة) . بُعث أي أول ما أوحى إليه، بُعِثَ لأربعين سنة (فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين) . عليه الصلاة والسلام. إذًا صلَّى في مكة ثلاث سنين، وبعد هذه الثلاث عشرة سنة أُمر بالهجرة إلى المدينة.
(وَالْهِجْرَةُ) أراد أن يبينها، أُمِرَ بالهجرة ما حقيقة الهجرة؟ ذكرنا أن الهجرة في اللغة: هي الترك والبعد، ومنه الهجر المشروع أي يتركه ويبتعد عنه، (وَالْهِجْرَةُ الاِنْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الْشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلاَمِ) لأنها في اللغة مطلق الترك، أو الانتقال من بلدٍ إلى بلدٍ آخر، لأنه يترك بلدًا إلى بلدٍ آخر، لكن هل كل بلد تُشرع منه الهجرة أو إليه؟ نقول: لا، إذًا لا بد من التقييد، ولذلك المعنى الشرعي يكون أخصَّ من مطلق المعنى اللغوي. الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. ما هو بلد الشرك؟