(وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةُ عَلَى هَذِهِ الأَمَّةِ) أمة الإجابة، (مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إَلَى بَلَدِ الإِسْلاَمِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إَلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ) يعني ليست منسوخة بفتح مكة مثلًا، أو بدخول المسلمين أو دخول بلاد العجم آنذاك في الدين أفواجًا، نقول: لا، هي باقية متى ما أسلم المسلم في بلاد الكفر، ولم يكن عنده قدرة وإمكانية على إظهار دينه وجبت عليه الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، (وَهِيَ) أي الهجرة (بَاقِيَةٌ) مستمرة (إَلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ) يعني إلى قرب قيام الساعة. (وَالدَّلِيلُ) على أن الهجرة فريضة على هذه الأمة أمة الإجابة من القرآن (قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 97 - 99] ) . محل الشاهد قوله: ( {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) . ( {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ} ) أي تتوفاهم بحذف إحدى التاءين تخفيفًا ( {الْمَلآئِكَةُ} ) هذا جمع وأريد به ملك الموت، فإما أن يراد به ملك الموت لأن الله تعالى قال: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} [السجدة: 11] . فهو ملك واحد، وهنا قال: ( {تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ} ) . وهو جمع، إما أن يقال إنه من باب إطلاق الجمع مرادًا به الواحد، وهو وارد في لسان العرب أن يُستعمل الجمع مرادًا به الواحد على جهة المجاز، من إطلاق الكل مرادًا به الجزء. وإما أن يراد به ملك الموت وأعوانه وهم جمع، فسره بهذا أو ذاك وكلاهما سائغ لغة وشرعًا.