فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 321

أولًا: من تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، هذا لا بد قيد، لا بد أن يقيد بالوجوب مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه آية النساء التي فيها ( {ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} ) لأن الله تعالى وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم في ارتكابهم محرمًا بالإجماع.

الثاني: الصنف الثاني، من لا هجرة عليه، وهو العاجز المستضعف عن الهجرة، كالمريض أو المكره والولدان والنساء والضعفة لقوله: ( {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ} ) . هذا استثناء له حكمه الخاص، لكن يجب عليهم اعتزال المشركين والصبر على أذاهم.

الثالث: من تستحب له الهجرة ولا تجب، وهو القادر على إظهار دينه، ولو كان بين المشركين.

إذًا متى تجب الهجرة؟

نقول: على القادر، هذا شرط أول، الثاني: عاجزًا عن إقامة دينه. إن كان قادرًا، وقادرًا على إظهار دينه نقول: صارت الهجرة في حقه مستحبة.

(وقوله تعالى) أي الدليل الثاني من الكتاب على وجوب الهجرة ( {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} [العنكبوت: 56] ) هذه أردفها بما سبق ليدل على أن ترك الهجرة ليس شركًا ولا كفرًا، ووجه الاستدلال؟

ناداهم باسم الإيمان كما هو الشاهد هناك في {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] إذًا لا بد من التفريق بين الموالاة والتَّوَلِّي هنا قال ( {يَا عِبَادِيَ} ) أضافهم إلى نفسه، وهذه إضافة تشريف، ( {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا} ) بي وبرسولي عليه الصلاة والسلام ( {إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ} ) فإذا لم يتمكن أن يظهر دينه في الأرض، فالأرض واسعة، يُظهر دينه في أيها شاء ( {فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} ) أي لا تعبدوا غيري، وهذا فيه تأكيد لمعنى التوحيد.

إذًا أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يتمكنون فيه من إظهار دينهم إلى أرضه الواسعة، فهي غير ضيقة بل واسعة.

(قَالَ الْبَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ) وهو أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء، توفي سنة ستة عشرة وخمسمائة: (سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي مَكَّةَ لَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمِانِ) . إذًا ترك الهجرة لا يسلب صاحبه الإيمان فليس كفرًا ولا شركًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت