فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 321

وَعَالِمٌ بِعِلْمِهِ لَمْ يَعْمَلَنْ ... مُعَذَّبٌ مِنْ قَبْلِ عُبَّادِ الوَثَنْ

هذا فيه إشارة إلى الثلاثة الذين أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنهم أول من تسعر بهم النار، وذكر منهم عالمًا لم يعمل بعلمه، ولا عمل صحيح إلا بعلم صحيح. قال الراجز:

وَمَنْ بِغَيْرِ عِلْمٍ يَعْمَلُ ... أَعْمَالُهُ مَرْدُودَةٌ لاَ تُقْبَلُ

إذًا كل منها ملازم للآخر. قال الفضيل بن عياض في بيان أهمية العمل بالعلم ومكانة العالم: لا يزال العالم جاهلًا حتى يعمل بعلمه. عالم بالمسائل يحفظها فقط، فيحفظ أحاديث والآيات ولا يعمل بها هذا يُسمَّى جاهلًا. لا يزال العالم جاهلًا حتى يعمل بعلمه، فإذا عمل به صار عالمًا. إذًا لا يكون العالم عالمًا إلا إذا جمع بين العلم والعمل، وهذا كان سنة السلف في تلقى العلم والفتوى ونحو ذلك، إذا رأوه جمع بين العلم والعمل أخذوا عنه. وجاء في أثر ولكن لا يصح حديثًا، وإنما هي مقولة: (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم، ومن لم يعمل بما علم أوشك الله أن يسلبه ما علم) . هذا فيه فائدة إتباع العلم بالعمل، وأن الذي يعمل بعلمه يزداد نورًا وبصيرة كما هو مفهوم من قوله جل وعلا: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17] إذًا (العَمَلُ بِهِ) هذه المسألة الثانية الواجبة، وهى ثمرة للعلم، لأن العلم كما قيل: أصل والعمل ثمرته، لأن العلم لا يُقصد لذاته، وإنما يُقصد للعمل به، فإذا قُصد لذاته كانت النية غير صالحة. إذا قصد العلم لذاته (لذات العلم) لحب العلم فقط دون النظر إلى العمل به، وما يورث هذا العلم من الخشية، ومحبة الله جل وعلا، والخوف منه ونحو ذلك صار العلم مذمومًا ولم يكن محمودًا وليست هذه النية بصالحة.

وأعظم ما يعرفه طالب العلم نفسه هل يطلب العلم للعمل ينظر في عمله وإقباله، وينظر هل يجد من الهمة في العمل بالعلم ما يجده في طلب العلم؟ هل يجد من الهمة والحرص والسؤال والبحث عن العمل بالعلم كما يجده في طلب العلم ونحو ذلك. إن تفاوتا حينئذٍ هذا يُخشى عليه أن يكون ممن يطلب العلم لذاته لذات العلم، يعنى ليستكثر من العلم فحسب. والضابط عند أهل العلم ما ذكرته لكم، وهو أنه يجد من الهمة والحرص والطلب والسعي في معرفة كيفية العمل بالعلم، وسؤال نفسه، ومحاسبته، والنظر فيما يقدم وما يترك وما يدع كما هو الشأن في طلب العلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت