بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ {وَالْعَصْرِ} الواو هذه واو القسم، هنا أقسم الرب جل وعلا، فالمقسِم هو الرب سبحانه، {وَالْعَصْرِ} مقسَم به، وهذا العصر مخلوق، والرب جل وعلا له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وليس للمخلوق أن يُقسم إلا بخالقه جل وعلا، وأما الرب سبحانه فهو فعال لما يشاء، فعال لما يريد، يُقسم بما شاء من مخلوقاته، فإذا أقسم بشيء دل على أنه مهم وأن له مكانة وشرفًا يفوق غيره من المخلوقات. فالقسم المراد به التأكيد والتقوية على شيء معين، وقد أقسم الرب جل وعلا بالعصر، وأقسم بالليل، وأقسم بالشمس، وأقسم بالفجر .. إلى آخره، عدد من الآيات يقسم الرب جل وعلا بما شاء من مخلوقاته سواء كان من الآدميين أو من غيرهم. {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر:72] قيل: إنه قسم بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، بل أقسم بذاته جل وعلا {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] {فَلا وَرَبِّكَ} الواو واو القسم، والرب هنا هو المقسِم، وهو المقسَم به، فالرب جل وعلا يقسم بما شاء من مخلوقاته أو يقسم بذاته سبحانه وتعالى، وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا أو يحلف إلا بخالقه جل وعلا. لأن القسم فيه معنى التعظيم، ولا يُعظَّم إلا الرب جل وعلا من جهة المخلوق.
{وَالْعَصْرِ} المراد به عند أهل التفسير جمهور المفسرين المراد به الدهر، أقسم ربنا بالعصر وهو الدهر فقال: {وَالْعَصْرِ} وهو الدهر. قال ابن عباس رضي الله عنهما: العصر ساعة من ساعات النهار. وقال الحسن رحمه الله: والعصر هو العَشِىُّ وهو ما بين الزوال يعني زوال الشمس وغروبها. وقال قتادة: هو آخر ساعة من ساعات النهار. وقيل: هو قسم بصلاة العصر، وهي الوسطى والعصر يعني وصلاة العصر، وصلاة العصر لمذا؟ لأنها أفضل الصلوات قاله مقاتل، يقال أُذِّنَ للعصر، وصُلِّيَتِ العصر أي صلاة العصر. وقيل: هو قسم بعصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لماذا؟ لفضله لتجديد النبوة فيه.
هذه أقوال في تفسير معنى العصر.
-قيل هو الدهر كله.
-وقيل هو العشي.
-وقيل هو آخر ساعة من ساعات النهار.
-وقيل هو صلاة العصر.
-وقيل هو عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأصح من هذه الأقوال أن كلمة العصر تعُمُّ كل ما قيل، ويعم ما قيل هو الدهر، لأن الدهر يقع فيه العشي، ويقع فيه صلاة العصر، ويقع فيه آخر ساعة من ساعات النهار، أو أنه ساعة من ساعات النهار مطلقًا، ولذلك قال الطبري رحمه الله تعالى في تفسيره: (والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر، والعصر اسم للدهر، وهو العشي والليل والنهار، ولم يَخْصُص مما شمله هذا الاسم معنىً دون معنى، فكل ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه) .