على القاعدة العامة عند المحققين من أهل التفسير: (أن اللفظ القرآني إذا جاء محتملًا لعدة معانٍ، وكلُّ معنى من هذه المعاني صالح لأن يدخل تحت هذا اللفظ، فحينئذٍ يُحمل على كل المعاني، فيكون مشتركًا أو مُطلقًا فتحته أفراد، فيصدق على تلك الأفراد إلا إذا جاء دليل من كتاب أو سنة يخصص تلك المعاني أو يخصص ذلك اللفظ ببعض أفراده. ولذلك قال هنا الطبري - وهو إمام المفسرين:(ولم يَخْصُص مما يشمله هذا الاسم معنىً دون معنى) لأن العصر الدهر، يشمل العشي، ويشمل آخر النهار، ويشمل صلاة العصر، ويشمل ساعة من ساعات النهار على قول ابن عباس رضي الله عنهما. فحينئذٍ لم يخصص معنىً دون معنى، فيحمل على كل هذه المعاني، فكل ما لزمه هذا الاسم فداخل فيما أقسم به جل ثناؤه، فحينئذٍ نقول: العصر هو الدهر وكل ما ذُكِر فهو داخل تحت لفظة العصر. ومنه، يعني ما الدليل على أن العصر هو الدهر وهل تستخدم العرب هذا اللفظ في هذا المعنى أم لا؟ نقول: نعم، جاء قول الشاعر:
سَبِيْلُ الهَوَى وَعْرٌ وَبَحْرُ الهَوَى غَمْرُ
وَيَوْمُ الهَوَى شَهْرٌ وَشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ
وَشَهْرُ الهَوَى دَهْرُ يعني زمن مطلق لا يتقيد بوقت دون وقت.
إذًا أقسم الرب جل وعلا بالدهر، ما سر هذا القسم؟
لماذا أقسم بالعصر؟
ولماذا أقسم بالزمن المطلق؟
لماذا أقسم بالدهر؟
قال القرطبي رحمه الله تعالى: (لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدُّلها) . لأن الأحوال والتغيرات التي تقع على المخلوقات إنما تكون في هذا الزمن، لأن كل ما يقع لبني آدم، وغير بني آدم كالجبال، والرياح، والأمطار، والبراكين، والزلازل إنما تقع في هذا الزمن، لا بد لكل حدث من زمن يقع فيه ذلك الحدث، فحينئذٍ هذا الزمن وهذا العصر وهذا الدهر دال على تبدل هذه الأحوال ووقوعها في ذلك الزمن. قال: (لما فيه - يعني في العصر والزمن - من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها وما فيها من الدلالة على الصانع) لأنها هذه التغيرات كلها تدل على أن لهذا الكون خالقًا جل وعلا، فتصريف الرياح، وتصريف الأمطار، وهطول الأمطار، وانشقاق الأرض، ونحو ذلك، والنبات وزواله، وإيقاع الثمرات، وكل ما يقع على وجه الأرض إنما يدل على أن هذا الكون له خالق وهو الرب جل وعلا. وأيضًا هو زمن تحصيل الأرباح والأعمال الصالحة للمؤمنين، وزمن الشقاء للمعرضين، لأن الزمن المطلق هنا يقع فيه أفعال العباد، وأفعال العباد هذه منها ما هو طاعة فيكون ربحًا لأصحابها، أو أرباحًا لأصحابها، ومنه ما هو معصية فيكون شقاء على أصحابها. فحينئذٍ الشقاء والفوز المرتبين على أفعال العباد إنما تقع في هذا الزمن، فالزمن ظرف، والعمر ظرف يقع فيه أفعال العباد. فكل خير أو شر إنما يقعان في هذا الزمن.
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} ، {وَالْعَصْرِ} عرفنا المراد به الزمن المطلق أو الدهر، وأقسم به الرب جل وعلا لما ذكرناه من أنه دال على الصانع الخالق جل وعلا، وأشرف شيء أُعطيه الإنسان هو العمر، فبسبب العمر أطاع الله، وعَبَدَه، وشرُف أن يكون من أهل الجنة.
وَالوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيْتُ بِحِفْظِهِ ... وَأَرَاهُ أَسْهَلُ مَا عَلَيْكَ يَضِيْعُ