فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 321

فأنفس ما أعطي الإنسان هو الزمن، لأن عمله وتحصيله إنما يقع في هذا الزمن، فصار كالكوز بالنسبة للماء، فالكأس بالنسبة للماء هو ظرف يقع فيه الماء حافظًا للماء. كذلك الزمن وكذلك العمر إنما يكون حافظًا لأفعال أصحابه من خير أو شر.

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} ، {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} هذا جواب القسم، لأن القسم لا بد له من جواب، وهو المقسَم عليه، أقسم الرب جل وعلا بالعصر وهو المُقسِم، والمقسَم به العصر، والمقسَم عليه هو خسارة الإنسان، ولذلك لا بد للقسم من جواب لأنه لو قال (والله) وسكت هذه الجملة لا تفيد شيئًا لأنه لم تحصل بها الفائدة التامة، ولذلك ليست بجملة تامة، فحينئذٍ لا بد من وقوع جوابٍ لهذا القسم وهو المقسم عليه. (والله لا أخرج من دارى) إذًا عَدَمُ خروجي من دارى هو المقسم عليه.، (والله لآتيك) لآتيك هو جواب القسم. هنا قال جل وعلا: {وَالْعَصْرِ} أين جواب القسم؟ {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} ، فخسارة الإنسان هي المقسم عليها.

{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ} ، - {الإِنْسَانَ} أل هذه تفيد الاستغراق والشمول، بدليل ماذا؟ بدليل صحة وقوع لفظة كل محلها، وبدليل الاستثناء منها. فإذا وُجِدَ الأمران حينئذٍ صحَّ أن يقال بإن (أل) هنا تفيد العموم. - {إِنَّ الإِنْسَانَ} لفظ إنسان واحد هذا، هل إنسان واحد هو في خسارة وبقية الناس لا؟ نقول: لا، المراد كل إنسان، إن كل إنسان لفي خسارة، إلا الذين، لَمَّا استثنى دل على أن المراد بلفظ الإنسان الآحاد والأفراد من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، بدليل ماذا؟ أمرين:

أولًا: صحة الاستثناء، وصحة الاستثناء تدل على أن اللفظ عام، كما يقال عند الأصوليين: الاستثناء معيار العموم، يعني معيار ميزان توزن به الألفاظ العامة، إذا أريد أن يُستدل على أن اللفظ عام أم لا يؤتى بالاستثناء، فتعرف إن صح الاستثناء حكمت عليه بأنه لفظ عام، وإلا فهو لفظ خاص وهنا وقع الاستثناء {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} .

وأيضًا: يصح حلول (كل) محلها، فلو قيل في غير القرآن: إن كل إنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا، لو عُبِّر معبرًا عن معنى الآية وتفسير الآية وقال: (كل إنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا) صح أو لا؟ صح، إذًا صح حلول كل محل (أل) دل على أن هذه (أل) للعموم.

{الإِنْسَانَ} المراد به هنا جنس الإنسان؛ وإلا ففي تفسيره قولان:

-قيل: المراد به الكافر، إن الإنسان أي الكافر، الكفار، فيكون المعنى الكفار اليهود والنصارى والمشركون وغيرهم، وهذا حُكِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبى صالح عنه، أن المراد بالإنسان الكافر.

-والجمهور على أن المراد بالإنسان هنا جنس الإنسان، أي الناس، كل الناس لفي خسر، وهذا أصح، أن المراد به جنس الناس، كقولهم (كثُر الدرهم في أيدي الناس) كثر الدراهم، واحد؟ إنما المراد به كل الدراهم، لأن الدرهم هذا لفظ مفرد ودخلت عليه (أل) .

الفَرْدُ وَالجَمْعُ المُعَرَّفَانِ ... بِاللامِ كَالكَافِرِ وَالإِنْسَانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت