الإنسان الذي معنا الآن هذا دال على أنه لفظ عام. إذًا المراد بقول العرب: (كثُر الدرهم في أيدي الناس) أي كثُرت الدراهم، حينئذٍ يصح حلول كل محل (أل) أو كل محل أل، إذًا المراد بالإنسان هنا جنس الناس.
قال الطبري رحمه الله: (يقول - يعني الله جل وعلا- إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان) . وفسر الخسر هنا بالهلكة والنقصان. ويقال الخسر والخسران بمعنى واحد. فسره الطبري رحمه الله بقوله: (إن ابن آدم لفي هلكة ونقصان) وقيل: لفى غبن (إن الإنسان لفى غبن) مغبون. وقال الفراء: {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} أي لفي عقوبة، ففسر الخسر بالعقوبة. ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا} [الطلاق: 9] يعنى عقوبة، وقيل: لفي شر {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} يعني لفى شر.
وهذه المعاني كلها متقاربة فيحمل اللفظ عليها. فيقال: {إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ} يعني لفي هلكة، ونقصان، وغبن، وشر، وعقوبة، وهذه كلها معان متقاربة ولا تضارب يينها.
قال بعضهم: فالخسر هو هلاك رأس المال أو نقصه - هذا في الأصل -. - يعني لما عبر الرب جل وعلا عن الإنسان أنه في خسارة. قال ابن الجوزى في تفسيره: (والإنسان إذا لم يستعمِل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح الدائم فهو في خسران - لماذا؟ - لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره وهما أكبر رأس ماله) . فلذلك عُبِّر بالخسران الذي يقابل الربح عند التجار (تجار الدنيا) - لماذا؟ - ليكون أوقع في النفس.
لأنه إذ قيل: تجارةٌ، أول ما يتبادر إلى الذهن تجارة الدنيا، وأما تجارة الآخرة فهذه تكون أمرًا ثانيًا عند السامعين، فإذا عُبِّرَ بالخسران حينئذٍ فأول ما يتبادر هو الخسران المقابل للأرباح - أو الربح - في باب الدنيا، حينئذٍ إذا خسر عمره ولم يستعمله فيما يوجب له النجاة في الدنيا والآخرة فهو خاسر. مثل ذلك التاجر الذي قد خسر في تجارته في الدنيا، لذلك قال: (فهو في خسران) لأنه عمل في إهلاك نفسه، وعمره، وهما أكبر رأس ماله.
{وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان} الإنسان قيل هذا مأخوذ من النَّوس وهو الحركة، اشْتُقَّ من النَّوس وهو الحركة، {لَفِي خُسْرٍ} اللام هذه واقعة في جواب إنَّ، فعندنا في هذا التركيب ثلاث مؤكدات:
-والعصر: قسم، هذا مؤكد يعتبر، مقوي للكلام.
-إنَّ هذا حرف نصب وتوكيد.
-لفي خُسْرٍ: اللام واقعة في جواب خبر إن فهي مؤكدة.
فهذه ثلاث مؤكدات اجتمعت في الآيات.
والأصل في كلام العرب: (أنه لا يُؤكد إلا إذا كان المخاطب مترددًا أو منكرًا، وأما إذا لم يكن كذلك كأن يكون خالي الذهن فهذا لا يصح له التوكيد إلا على تأويل) . فحينئذٍ نقول: ما الحكمة في توكيد مطلع هذه السورة بثلاث مؤكدات؟