نقول: هذه وقعت جوابًا لحال كفار قريش، لأنهم اعتقدوا أن ما هم عليه - بلسان حالهم ومقالهم - أن ما هم عليه من الكفر، والذب عن دينهم، وقتالهم المؤمنين دفاعًا عن أصنامهم، ظنوا أنهم سلكوا طريق النجاة إلى الله عز وجل، فهم في الحقيقة مترددون أو منكرون أن طريق النجاة منحصر فيما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم - فلذلك جاء التوكيد بثلاث مؤكدات، يعني كأن المخاطب هنا هم كفار قريش، وبلسان حالهم ومقالهم يعتقدون أن ما هم عليه هو طريق النجاة، ونسوا أو تناسوا، وجهلوا أو تجاهلوا أنه لا طريق للنجاة في الدنيا وفي الآخرة إلا بما رسمه الله عز وجل. حينئذٍ جاءت هذا المؤكدات الثلاثة.
وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ، {لَفِي خُسْرٍ} في تفيد ماذا؟ الظرفية، والمراد بالظرفية الظرف هو الوعاء، {لَفِي خُسْرٍ} نقول: الماء في الكأس أو الكوب، فصار الكأس محيطًا بالماء. {لَفِي خُسْرٍ} الإنسان في خسر، إذًا هو داخل في الخسر يعني بأن الخسر محيط به من كل مكان. فلذلك عُبِّرَ بلفظ في للدلالة على أنه واقع وقد أحاط به الخسران من كل مكان، لماذا؟ لأنه في الأصل ليس متصفًا بما بعد إلا، الأصل في الإنسان الظلم والجهل. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب: 72] ليس فقط ظالم، ظلوم يعني كثير الظلم؛ لأنه جاء على صيغة مبالغة، جهولًا يعني كثير الجهل. فالأصل فيه الظلم والجهل. ولذلك يقال لمن نجا: كيف نجا؟ ولا يقال لمن هلك: كيف هلك؟ أليس كذلك، لأنه جاء على الأصل، ومن جاء على الأصل لا يسأل عنه فلا يقال له: لم هلكت؟ وإنما يقال له: كيف تعلمت؟ لا يقال للجاهل: كيف صرت جاهلًا؟ أعطنا مما أعطاك الله [ها ها] ، وإنما تقول للعالم: كيف تعلمت؟ أعطني مما أعطاك الله، أليس كذلك؟ [نعم] .
{لَفِي خُسْرٍ} إذًا عبر هنا بفي للدلالة على الإحاطة والشمول، ولم يعبر بخاسر أيضًا للدلالة على ما ذكرناه سابقًا.
بمعنى أن إحاطة الخسر به من كل مكان. فإن (في) للظرفية، فالخسر محيط بالإنسان من كل جوانبه. إذًا هذا هو الأصل.