فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 321

{إِلَّا} هذه أداة استثناء، والاستثناء: إخراج، أليس كذلك؟ إخراج ما لولاه لدخل فيما قبل (إلا) ، يعني فيما كان من المستثنى. وهنا إذا قيل: بأن الإنسان المراد به جنس الإنسان وهو الناس صار الاستثناء متصلًا. والاستثناء قد يكون متصلًا وقد يكون منقطعًا. متصلًا: إذا كان ما بعد إلا من جنس ما قبلها، يعنى فرد من أفراده. ويكون منقطعًا فيما إذا كان ما بعد إلا ليس من جنس ما قبلها. أليس كذلك؟ [معي هنا] الاستثناء قد يكون متصلًا وقد يكون منقطعًا، إذا كان ما بعد إلا من جنس ما قبلها فهو متصل، تقول: جاء القوم إلا زيدًا، زيد من جنس القوم، هذا نسميه متصلًا، يعني ما بعد إلا في المعنى مثل ما قبلها. جاء القوم إلا حمارًا. هذا منقطع لأن الحمار ليس من جنس القوم، ليس منهم، القوم: زيد، وعمرو، وخالد، وبكر، حينئذٍ جاء القوم إلا حمارًا ليس من جنس ما قبله، فصار الاستثناء منقطعًا. هذا على جهة التقريب على ما شاع عند الأصوليين. لو قيل بأن الإنسان المراد به الكافر إذًا لو فُسِّر بأنه الكافر على قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية أبى صالح الاستثناء يكون منقطعًا. لأن ما بعد إلا ليس من جنس ما قبله، الإيمان ضد الكفر، نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان. وإذا فُسِّر الإنسان جنس الناس صار الاستثناء متصلًا، لأن جنس الناس يشمل المؤمن والكافر. فحينئذٍ {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} استثنى المؤمنين، وبقي الكافرون في الحكم عليهم بأنهم في خسارة. جاء القوم إلا زيدًا. استُثْنِيَ زيد عن المجيء، وبقي القوم بإثبات الحكم السابق لهم. {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} استُثْنِيَ المؤمنون، وبقي الكافرون على حالهم من إثبات الخسارة لهم. إذًا على القول الصحيح بأن الإنسان المراد به جنس الناس نقول: الأصح بأن الاستثناء هنا متصل.

{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} هذه أربعة مسائل ذكرها المصنف مفردة مسألة مسألة وأراد أن يستدل لكل مسألة بقطعة من هذه القطع الأربعة.

{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} آمنوا يعني اتصفوا بصفة الإيمان، والإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل. اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان.

{إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} إذا قيل بأن الإيمان علم وعمل، قول وعمل، لأن العلم متعلقه القلب. وإذا قيل بأن الإيمان اعتقاد بالقلب إذًا محل العلم هو القلب، فحينئذٍ استفدنا من هذه الآية، هذا الجزء {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا} أنهم قدَّموا العلم على العمل. بمعنى أنهم أوجدوا العلم أوَّلًا، ثم أتبعوه بالعمل، لأن العلم والعمل: إما أن يتقدم العمل على العلم، وإما أن يتقدم العلم على العمل، وهذا الأصل.

فحينئذٍ المتصفون بصفة الإيمان علموا أولًا، ثم بعد ذلك عملوا بعلمهم، ففي هذه الآية دليل على إثبات المسألة الأولى وهي العلم. وهو معرفة الله ومعرفة نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم ومعرفة دين الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت