اکنت عندما أمر بهذه الطريق أصادف العربات الزراعية. كانت كل عربة تستطيع نقل قذيفتين للمدفع ... المطر ينهمر ولكن القروي العجوز بنزع معطفه ويغطي به القذيفة ... أما هو فمبلل من رأسه إلى أخمص قدميه ... هذا التركي الشهم يعتني بالذخيرة أكثر من اعتنائه بحياته هو ... وفي دقاسطمونيه رووا لي الحادثة التالية: وصلت الذخائر وجمعت العربات، وكانت هناك امرأة تحمل رضيعها الذي لا يتجاوز عمره عدة أشهر وقد أتت بعربتها كذلك ... أشفق الجميع على حالها فقالوا لها: أيتها المرأة، ارجعي إلى قريتك. فبكت المرأة قائلة: ادعوني ... إن والد هذا الطفل قتل في الحرب مع الكفار ... دعوني أنقل الذخيرة، ولأمت أنا وهذا الصغير في هذا السبيل ترقرقت الدموع من عيني ... ما هذه الشهامة الموجودة لدى التركي؟ .... هناك آلاف الأمثلة للبطولة في حركة الاستقلال ويا حبذا لو قام أحدهم بجمعها في كتاب ... والآن يأتي مصطفي کمال ويدعي بأنه هو الذي فعل كل شيء ... في الوحل وفي الثلج كان هؤلاء الأتراك يقطعون هذه الطرق آلاف المرات».
وطيلة حرب الاستقلال، وبينما كانت بيد مصطفي کال ترتفع إلى السماء في الاجتماعات وفي الاحتفالات في وضع الدعاء بكل تفاق، كان صرير العربات التي تئن وكأنها تقول: «الله ... الوطن ... الله .... الوطن ... » تلحن لحن الغربة الأبدية في الوطن والغفلة الكاملة عن المستقبل ... فتبتئس لهذه الحالة السماء وترتجف منها الأرض
لقد كان منظر المرأة التركية بشاباتها وعجائزها أو منظر الشيخ التركي ذي اللحية البيضاء والظهر المنحني، كل منهم يحمل على ظهره قذيفة مدفع وهم يشقون طريقهم بكل صعوبة وراء عرباتهم ... لقد كان هذا المنظر أكثر إيلاما للنفس من منظر عبيد فرعون هم ينقلون الأحجار لبناء الأهرام، ذلك لأن هؤلاء العبيد لم يكونوا يدعون، بل كانوا واقعين تحت ظلم واضح، أما هؤلاء فإنهم استنفروا إلى الحركة تحت دعوى الكفاح من أجل الله ومن أجل الوطن وهم لا يعلمون بأنهم إنما ينقلون الأحجار لبناء هرم الكفار ولإزالة اسم الله من القلوب والتسليم الوطن المسلم إلى الأسر المعنوي للغرب. >