فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 24

فعدت لمقالتي؛ يا رسول الله) , رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب حق ومعصوم عليه الصلاة والسلام بفعله, وسعد بن أبي وقاص يعلم هذا الأمر, ولكن أراد أن تتمحص لديه العلة, فيستقر في قلبه الإيمان بالعلة أكثر من حامل ذلك الحكم، مع أن العلة والانقياد إليها لا ينفي عدم انسياق الإنسان إلى ذلك الحكم؛ لأن الله جل وعلا بين درجة الذين يؤمنون بقوله سبحانه وتعالى وحكمه مع عدم إدراكهم للعلة الحكمية أو خفائها عليهم, لهذا قال الله جل وعلا في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] , إشارة إلى أن الإنسان قد لا تتوافق علة الحكم مع إدراكه فيجب عليه أن ينقاد, ولكن هذا ليس نفيًا للبحث عن العلة, بل هو إثبات لها حتى تتمحض لديه علة الحكم فيصح الحكم فيتبع العلة والمعنى والحكم الشرعي أكثر من اتباع الذات؛ لماذا؟ لأن الأحكام التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تتعلق بذات النبي صلى الله عليه وسلم, بل ستنتقل إلى غيره, فإذا انتقلت إلى غيره سيتعلق الأمر بالذات إذا انتقل الأمر من ذات إلى ذات, والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العلماء ورثة الأنبياء, الأنبياء ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر) , فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحمل العلم والأمر متعلق بعلمه الذي جاءه من الله والعصمة المقترنة بذلك العلم, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته سينتقل ذلك الإرث إلى من جاء بعده, فينبغي أن يفصل بعده عليه الصلاة والسلام, فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يهيئ من بعده إلى انفصال الذوات عن المعاني, مع كون النبي صلى الله عليه وسلم معصومًا, فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم يهيئ من بعده على هذا الأمر أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقبل تعامل أصحابه وربما حثهم على شيء من الاستعلام لبعض علل أوامره عليه الصلاة والسلام, (يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص لما سأله ذلك السؤال, قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار) , المراد من ذلك أنني قد أترك الفاضل إلى المفضول, وإنما أعطي المفضول لأستميل قلبه, وذاك أكله إلى ما لديه من إيمان، فهو رجل لا يشترى إيمانه بالمال, فأشتري أولئك بالمال حتى ينساقوا باطنًا وظاهرًا، وهذا قد انساق باطنًا وظاهرًا, فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين لسعد بن أبي وقاص أن العلة في ذلك باطنة ولا تدركها، وإنما أدركها بعلم الله جل وعلا؛ فهؤلاء ضعيفوا الإيمان من جهة الباطن؛ فوجب علي أن أحيي باطنهم كما حيا ظاهرهم, وأما ذاك فحيا باطنه فحيا كذلك ظاهره. وهذا أمر كثير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا ينبغي أن ننبه إلى أمر مهم, وهو أن القدوة والعالم الذي يهتدى به ونحو ذلك ينبغي أن يكون بين الناس على طبيعته من غير تكلف؛ وذلك حتى لا ينظر إليه إلى درجة الكمال فيتعلق تعظيمًا في قلوب الناس, فتتعلق الناس بذاته أكثر من المعاني التي يحملها؛ لماذا؟ لأن الناس يحملون حملة الأفكار والمعاني والقادة والرموز من العلماء والمثقفين والمفكرين وغير ذلك على أحسن المحامل؛ لأنهم يحملون المعاني التي حملوها فيجعلون كلامهم موافقًا لذواتهم, وهذا لا يكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فينبغي أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت