اندثرت عند المتأخرين، فكانوا ينشدون في النبي صلى الله عليه وسلم أشعارًا؛ وذلك أن الأشعار هي التي تحفظ, ولكن الله جل وعلا لم يبق من هذه الأشعار في أفواه الناس شيئًا, فشوهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي الحق الذي يحمله, (قال: فأتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده فلما صلى أتيته فقلت: إني أتيت إليك من جبال طي, قال: من أنت؟ قال: قلت: أنا عدي بن حاتم الطائي , قال: فقام بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره فاكتنفته امرأة, قال: فوقف معها طويلًا) , النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاءه سيد من أسياد العرب, وهذا السيد من أسياد العرب عليه رضوان الله تعالى سيد في قومه, ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يبين أنه يحمل رسالة, وهذه الرسالة لهذا السيد وكذلك لتلك المرأة الضعيفة, (قال: فقام معها النبي صلى الله عليه وسلم طويلًا) , يريد أن يشير أنه تركني وأنا السيد، (قال: فقلت والله ما هذه بسيرة ملِك) , يعني: أن هذا ليس من ملوك الأرض, هذا صاحب رسالة, ملوك الأرض: الذين يهتمون بذاتهم أكثر من المعاني التي يرسلونها, فهم يصنعون أمجادًا للذات.
والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكسر هذه الأمور يبين أنه يحمل معاني لا يحمل شيئًا لذاته, (قال: فدخلت إلى داره, فعمد إلى وسادة محشوة من الليف, فرمى بها إلي فقال: اجلس عليها, فجلس على الأرض, قلا: فقلت: لتجلسن عليها, قال: فأبى, فجلست عليها, قال: فكان أحب الناس إلي) , هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم, يريد أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أنه لا يحمل شيئًا لذاته، حتى لا يمتزج بين الحق الذي معه وذاته وحظه عليه الصلاة والسلام, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين صفة البشرية.
وهذا أيضًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (إني لا أنسى ولكني أُنسَّى لأسن) , يعني: لأسن للناس الشرائع والسنن, وبين النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا كما جاء في الصحيح من حديث علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فزيد فيها أو نُقص, فقلنا: يا رسول الله, إنك صليت بنا كذا وكذا, فقام النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة وتوجه فركع ركعتين ثم انفتل إلينا فقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون) , والمراد بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الله عصمه من المخالفة لأمره الظاهر إلا أن الله جل وعلا جعل فيه بيانًا للبشرية بورود النسيان عليه, وكذلك ما يطرأ على الإنسان من العوارض البشرية؛ وذلك حتى لا يمتزج بينه وما يحمله عليه الصلاة والسلام.
كان من إلغاء الذوات والتعلق بها أن الشارع جل وعلا أراد ألا يتعلق الناس بالذوات فلم ينجب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ويبقى, وإنما أُنجب للنبي عليه الصلاة والسلام من البنات، ومعلوم لدى الناس أن