القدوة الذي يقتدي به وكان نائيًا عنه؛ فإن هذا مما يؤثر تعظيمًا في قلب الإنسان له, لهذا ينبغي للعالم أن يخالط الناس في دواوينهم, وأن يروا حاله وبشريته وبساطته وتواضعه ونحو ذلك؛ لماذا؟ حتى يأخذوا قوله على نحو العدل من غير تعظيم ولا غلو ونحو ذلك, أما مخاطبة الناس عن بعد ونحو ذلك فإن هذا يورث غلوًا وتعظيمًا، وهذا على قدر الوسع والطاقة, ورسول الله صلى الله عليه وسلم بذل ما كلفه الله جل وعلا في ذلك, والإنسان في ذلك مكلف قدر إمكانه بمخالطة الناس, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم بين أهمية مخالطة الناس وتحمل أذاهم, وذلك أن يكون الإنسان داعيًا لهم بالحق والهدى, ونحن في هذا الزمن الدعوة تأتي إلى كثير من الناس عن بعد, سواء عن طريق القنوات الفضائية, فلا يُرى من الموجهين للناس ورموز الفكر وغير ذلك مما يدعونا إليه إلا أحسن ما يدعونا إليه ونحو ذلك, لهذا يقلدهم من كان بعيدًا لهم, وهذا الأمر له وجهتين: ما يتعلق بذات الداعي أنه ينبغي له أن يحتاط في نفسه في قوله وفعله, وأنه إذا اتبعه الناس بالباطل فإن الإثم والتبعة في ذلك عليه عظيمة.
كذلك بالنسبة للذين يبتعدون عن أهل العلم والدراية والرموز ونحو ذلك، ينبغي أن يأطروا أنفسهم على بشرية القادة والرموز والعلماء ونحو ذلك, وأن العبرة بالمعاني ونحوها, وهذا أمر عسير؛ لأنه لا بد للإنسان أن يعظم القدوة وحامل الحق, وأنه إذا زال وانحرف أنه يزول معه, وأنه إذا انتهى وانتكس فكثير من الناس ينتكسون عن طريق الحق, فإذا كان بعضهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتبطت انتكاستهم بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوال ذاته؛ إشارة إلى أنهم تعلقوا بالذات وما تعلقوا بالمعنى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا أمر يؤكد عليه أن الأمر الذي أمر الله جل وعلا باتباعه عليه هو اتباع الحق وعدم اتباع غيره, لهذا كان أئمة الإسلام يحثون على عدم تعظيم الذوات, وإنما تعظيم الحق, فإذا استكثر الإنسان أخذًا من تعظيم الحق فإنه أقرب الناس إلى الصواب, وأما إذا خالف الحق فبحسب بعده عن الحق بحسب ما يتحقق فيه الشر والبعد والتحذير منه.
... أولًا: تربية الناس على اتباع الحق لا أقوال الرجال
كان الأئمة عليهم رحمة الله أئمة الإسلام يربطون الناس بالسنة ولا يربطونهم بأقوال الرجال وأفعالهم, ولهذا قد ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتاب الطبقات عن المستملي رحمه الله أن الإمام أحمد سأله رجل عن كتابة الرأي, فقال: اكتب القرآن والسنة, اكتب القرآن والحديث, فقال: إن عبد الله بن المبارك كان يكتبها, قال: عبد الله بن المبارك لم ينزل من السماء, اكتب القرآن والسنة, والمراد بذلك أنه ينبغي للإنسان