فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 24

ونحو ذلك, وهذا له ضرائب كثيرة جدًا, وله أسباب كثيرة؛ منها ما تقدم الإشارة إليه؛ أن كثيرًا من الناس وخاصة العامة لا يميزون بين المعاني وبين حملة المعاني, وبين ما جعله الله جل وعلا في الناس من حق, سواء كان على سبيل الكثرة أو على سبيل القلة.

... ثانيًا: ترك تمحيص الأمور وتبين الحق فيها والاكتفاء بالتقليد

كذلك لا يميز الإنسان من جهة التكليف الذي أناطه الله جل وعلا به، ويظن أنه بمجرد التقليد أنه بذلك يسلم من عقاب الله سبحانه وتعالى, بل العقاب يأتيه؛ لأن الله جل وعلا آتاه عقلًا وكلفه بذلك, لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] , والوسع كثير من الناس يحمله على الطاقة البدنية, لا, بل هو أبعد من ذلك، فيشمل أيضًا الطاقة الفكرية والعقلية, الإنسان إذا كان يدرك المعلوم لو أراد أن يباشره وجب عليه أن يباشر بنفسه, لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] , من جهة التكليف يجب عليك أن تدرك المعنى الذي أمرك الله جل وعلا به, وأن تعرف أمر الله سبحانه وتعالى وحدوده في ذلك, فتتبع على بصيرة وبينة, فتمحص الحق بذاته وتعرف دليله وتعليله, فتتبعه على هدى وبينة حتى يعظم الثواب لديك, وأما ما لا تكلف به فهو ما لا يمكن أن تتكلف به من جهة العقل والإدراك.

وكثير من الناس ضعيف الإدراك ونحو ذلك لا يميز الحق من الباطل، فهذا يقال له: إن الله جل وعلا لا يكلفه إلا بما يطيق, وما لا يطيقه فإنه يقلد فيه, والله جل وعلا يعلم عذر الإنسان في ذلك.

... ثالثًا: البعد عن مخالطة القدوات

ومن أسبابها خاصة في زمننا: أن كثيرًا من الناس الذين يقتدى بهم لا يظهر منهم إلا ما حسن عن الناس للبعد عن المخالطة, وقد تقدم معنا فيمن كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ارتدوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، من هم؟ أكثرهم الذين بعدوا عن النبي صلى الله عليه وسلم, بل قيل: أهل المدينة لم يرتد أحد منهم؛ لماذا؟ لأنهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم, والنبي صلى الله عليه وسلم تمكن من الفصل بين ما يحمله عليه الصلاة والسلام وبين بشريته؛ لماذا؟ لأن عقول الناس لا تعي بالتمييز بين هذا وهذا, وأما الأبعدون فانضووا تحت رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يدعو إليه بضعف, وكان لديهم هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيتعاملون معه ربما تارة بتعامل السلطان وصاحب القوة ونحو ذلك, فإذًا ضعف لديهم ذلك المعنى الذي كان في قلوبهم.

لهذا ارتد من ارتد من العرب ممن كان بعيدًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقاتلهم من قاتلهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهذا فيه إشارة إلى معانٍ كثيرة: منها أن الإنسان إذا لم يخالط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت