فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 24

ومن لا يدخلها مشرك على الإطلاق، ولكن يقيم بين ظهراني المشركين بكثرة القراءة لمعانيهم, ويديم النظر في كتبهم وأقوالهم, وهؤلاء لو كانوا جثثًا هامدة أو خشبًا مسندة ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن مخالطتهم؛ لأن العبرة ليست بمخالطة أولئك بذواتهم.

وكثير من الناس يظن أن المخالطة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن يذهب بجسده فيقيم بين ظهراني اليهود وبين ظهراني النصارى فيستمر بذلك, وكثير من الناس لجهلهم بهذا الأمر يقرءون في كلام أهل الانحراف في أمور العقائد, في أمور الأفكار, ويديمون النظر بالسماع فيتحقق المقصد مما نهى عنه عليه الصلاة والسلام, فيقع التأثير لديهم من غير مخالطة, ولهذا ينبغي أن نفهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه البراءة وظاهر الآية السابقة، وأنه ينبغي لمن أراد الحق ألا يجعل الباطل يعرض على أذهانه وفرة أكثر من الحق؛ وذلك لضعف العقول البشرية.

... رابعًا: الإعراض عن الباطل والتحصن بمعرفة الحق بالدليل والتأصيل

كذلك ينبغي للإنسان إذا ضعف من جهة تحصنه بالأدلة، ومعرفة الأصول والقواعد ومداخل أهل الأهواء والزيغ ينبغي أن يقلل من عرض الباطل أو يعدم ذلك حتى يتأصل عنه الحق.

وأكثر الناس الذين يتأثرون بالأقوال والأهواء والأفكار إنما تأثروا بسبب ضعف علمهم بكلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فخالطوا بعقولهم وبصرهم وأسماعهم، وإن كانوا قد بعدوا من جهة أجسادهم, لهذا النبي صلى الله عليه وسلم خاطب العقول وأقر بتأثرها بذوات حملة الأفكار وحملة العقائد, ونحن نجد أن سائر المذاهب وسائر أهل المدارك والعقول حتى الجاهليين الذين يسمعون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يسألون عن المعاني التي يقولها النبي صلى الله عليه وسلم مجردة, بل يسألون عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما في قصة أبي سفيان مع كسرى حينما سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن ذاته ومن الذي يتبعه الضعفاء أم الكبراء, وعن خُلقه عليه الصلاة والسلام, وعن أمانته وعن صدقه, فأشياء تتعلق بما يصدر من ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما سأل عن تلك الدعوة بذاتها مجردة ومنفكة عن ذات رسول الله صلى الله عليه وسلم, لهذا وجب على الإنسان من جهة ذاته أن يعلم أن العقول والمدارك تُغلب, وهذه الغلبة تكون بعدم إدراكها وفصلها -كما تقدم الإشارة إليه- أن يفصل، وأن يأطر النفس على تمييزها للحق إذا وجدت شبهة أو وجدت قولًا أن ينحي القائل بها وأن يميزها؛ يميز ذلك القول بذاته, خاصة في الأزمنة المتأخرة؛ لكثرة المتصدرين, وكثرة المنحرفين, وكثرة أيضًا المترددين في طرقهم عن اتباع الحق, فتارة على طريق وتارة على طريق وتارة على طريق, فتكثر الأهواء والتقلبات في الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت