النبي صلى الله عليه وسلم أن مخالطة الكفار والمشركين من الأمور المحرمة, كما جاء في السكنى بين ظهرانيهم على سبيل الدوام, أما المخالطة العارضة والتعامل العارض من تجارة ونحو ذلك, لهذا قال عليه الصلاة والسلام, قال: (أنا بريء ممن يقيم بين ظهراني المشركين) , والله عز وجل بين ذلك أيضًا في قوله جل وعلا: فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ [النساء:140] , والعلة في ذلك: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ [النساء:140] , أي: أن الأمر سيؤول بحالكم من جهة الاعتقاد والفكر كحالهم.
وكثير من الناس حينما يضعف تأصيله لهذا المعنى لا يدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قصد بالمخالطة هي مخالطة المعاني, فلما كان يلزم من مخالطة الذوات التأثر بالمعاني نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المخالطة بالذوات, فكان مانعًا من ذلك.
وفي زمننا هذا كان الانفتاح والمخالطة قسرية, فوجب على الإنسان أن يحتاط من تلقي المعلومة ولو كان نائيًا بجسده, حينما نهى الله جل وعلا ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مخالطة المشركين؛ المراد بذلك أن يبين عليه الصلاة والسلام أمرين:
الأمر الأول: أن للذوات تأثيرًا على المعاني, وهذا أمر لا يمكن أن ينكر كما تقدم الإشارة إليه.
الأمر الثاني: أن هذه الخلطة التي تستمر مع الإنسان تذيب الحقائق التي في قلب الإنسان شيئًا فشيئًا من حيث لا يشعر, وكثير من الناس لضعف إدراكهم لمقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤصلون معنى من المعاني, وهذا يروج في هذا الزمن في تأصيل.
وقد سمعت كلامًا لأحدهم يقول: إن بعض الناس ينبغي له أن يخالط غيره حتى يتغير, أو أن مثلًا العالم الفلاني لو خالط البيئة الفلانية لتغير ونحو ذلك, وهذا ضعف في التأصيل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخالطة أصلًا إقرارًا بهذا التغير أصلًا, وليس المراد بذلك هو النفي, فالحيطة لهذا في مسألة المخالطة قد احتاط لها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذه المخالطة لها تأثير, والنبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ظواهر النصوص من كلام الله جل وعلا تؤكد ضعف العقول البشرية عن تمييز الحق عن صاحبه, وكذلك الباطل عن صاحبه, فالإنسان يضعف في هذا الأمر إلا عند النفوس الزكية.
وينبغي للإنسان أولًا حتى يسلم له الدين أنه إذا علم من صاحب الباطل كثرة في طرحه للباطل أن يحصن نفسه من التقليل بالمخالطة, ونحن في هذا الزمن، وهذا أمر ينبغي أن يدرك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (أنا بريء من مسلم يقيم بين ظهراني المشركين) , هذه البراءة بين ظهراني المشركين أراد بها النبي صلى الله عليه وسلم الإقامة الحسية, الآن في زمننا كثير من الناس يقيمون بين ظهراني المشركين إقامة معنوية وهو في أوساط المسلمين, بل تجد ربما من هو مجاور للمسجد الحرام في أوساط معقل الإسلام