والنبي صلى الله عليه وسلم حينما بين أن الإنسان ينقلب من الحق إلى الباطل، من الكفر إلى الإيمان في الصباح ثم ينتكس إلى الجهة الأخرى معاكسة في المساء، إشارة إلى أن ما بينها من تقلبات الرأي وفروع الدين تكون أكثر من ذلك في ذات الإنسان.
ونحن في هذا الزمن نجد أن الشبهات قد طرأت على كثير من الناس؛ لماذا؟ لأن العالم الفلاني قال كذا, والقدوة الفلاني قال كذا, ولا نعلم خلفيات النفوس والقائلين بها وأحوالهم, وكذلك الرغبات والأطماع التي في النفوس والأهواء, ولا نميز تلك الأقوال التي جاءوا بها ونعرضها على أدلة القرآن والسنة, وتمييزها أيضًا بالفطرة وما يتوافق معها, وإنما ضل من ضل لعدم وزنهم ذلك بالحق الذي جاء الله جل وعلا به بميزانه الذي أراده الله سبحانه وتعالى, وإنما ميزوه وربطوه وجعلوه متشبثًا ومتعلقًا بذيول قائليه, لا ينفصل عنهم ولا ينفك, فانحرفوا, فإن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساءوا أساءوا, وهذا كما تقدم الإشارة إليه يضعف أجر المتبع؛ لأن قلبه معلق بالمتبوع أكثر من قوله وفعله, وأما بالنسبة لمن قوي إيمانًا فإنه يأتي بالعبادة أو يأتي بالقول ويأتي بالحقيقة منفصلة عن قائلها, مدللًا لها بأدلة الكتاب والسنة, وكذلك أدلة الرأي والتعليل في هذا, فكان أحصن من جهة القول, وهذا ينبغي أن يؤكد عليه وتقدم الإشارة إليه.
أن التدليل على الأقوال وربط الناس بالكتاب والسنة هذا من الأمور المهمة؛ وذلك لأنه في زمننا هذا ظهر الانفتاح على الناس, وأصبح كثير من الناس يقفون على الأدلة ويميزونها، ولكن لا يدركون الصحيح من الضعيف والخاص من العام والمطلق من المقيد والناسخ من المنسوخ, فأصبح لديهم لبس في هذا, فينبغي طرح الأدلة على الناس حتى لا تقع عليهم الشبهات, فرأينا أشد الناس بطلانًا وزيغًا يتشبث بالكتاب والسنة، وأكثر الناس اتباعًا للحق يتشبث بالكتاب والسنة, والعبرة في ذلك هي بالحق, بتمييز الحق من الباطل, ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصيته لمن كان قريبًا منه في زمنه أن يتشبث بالأفراد, ولما كان الزمن المتأخر أمره بأن يتشبث بماذا؟ بالمعاني, نجد الذين كانوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ النبي صلى الله عليه وسلم يربطهم بالذوات؛ لماذا؟ لأن هذه الذوات هي أقرب إلى الحق وفيها نوع من العصمة, وإن كانت متباينة عن عصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما شهد لبعض الصحابة بالجنة هذا نوع عصمة بمعرفة الخاتمة التي هم عليها, وهذا نوع عصمة لا يكون لغيرهم, وأما غيرهم فتقل فيهم العصمة في ذلك بحسب مراد الله جل وعلا لهم من إصابتهم الخير والشر, فوجه النبي صلى الله عليه وسلم في الصدر الأول إلى اتباع الذوات مع اتباع المعاني, وربطت ذواتهم بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمجموعهم, وأما في الزمن المتأخر فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم يربط بالحقائق؛ لماذا؟ لكثرة فساد الذوات؛ وذلك لالتباس الحق بالباطل, وكثرة حملة الحق في الظاهر وقلة حملته في الباطن, ولهذا يقول عبد الله بن مسعود كما روى الدارمي في كتابه السنن, قال: كيف بكم إذا