الذكور ينسبون لآبائهم لا ينسبون لبناتهم, ولكن مع ذلك لتعلق الناس بالذوات نشأ من طوائف الإسلام من تعلق بأبناء البنات أكثر من التعلق بالحق, فكيف لو كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبناء, فكان ثمة نسب يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلبه مباشرة؟ إذًا لكانت الفتنة في ذلك أعظم.
ولهذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى في كثير من الفتن التي تحدث في الأمة أعظم ما يعانون هو الفصل بين الذوات وبين المعاني, لما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روى الدينوري وغيره عن علي بن أبي طالب أن الحارث الأعور جاء إلى علي بن أبي طالب عليه رضوان الله قال: أتريد أن نظن أن الحق معك وأن طلحة والزبير و عائشة على الباطل؟ فقال علي بن أبي طالب عليه رضوان الله تعالى: اعرف الحق تعرف أهله.
المراد بذلك أنه ينبغي للإنسان أن يعرف المعاني, وفي ذلك جملة من السلامات:
السلامة الأولى: أن يتحقق للإنسان الانقياد وعظم الأجر عند الله سبحانه وتعالى؛ وذلك أن الإنسان إذا كان منقادًا للمعنى كان أعظم أجرًا مما إذا كان منقادًا لذات فوافقت هذه الذات الصواب؛ وذلك الذي ينقاد لذات اللفظ وذات المعنى ويؤمن به أعظم أجرًا؛ لأنه آمن بحقيقة ذلك المعنى فانقاد له بذاته, سواء كان الذي يحمل ذلك المعنى ضعيفًا أو كان قويًا, وهذا له أثر بالإيمان الذي يقع في قلب الإنسان, وهذا الإيمان يتعلق بالإيمان بصدق المخبر لخبره الذي وافق الحقائق واستتم وكمل مع الفطرة بخلاف تعلق الإنسان بذاته, وهذا الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حاله مع الصحابة عليهم رضوان الله تعالى.
وكما تقدم الإشارة إليه أن الصحابة كانوا أعظم الناس إيمانًا بعد أنبياء الله جل وعلا؛ لماذا؟ لتعلقهم بالحق, لهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينكر عليهم إذا ناقشوه في بعض المسائل، ولو كان النبي عليه الصلاة والسلام معصومًا؛ لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد تربيتهم على الحق, ولهذا ربما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض المعاني والأفعال التي يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لماذا؟ حتى يتمحض لديهم المعنى وتصح لديهم العلة التي لأجلها كان القول والفعل, جاء في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أنه قال: (أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطًا, قال: وأنا جالس, وترك رجلًا منهم هو أعجبهم إلي, فقلت: يا رسول الله, مالك عن فلان؟ فإني لأظنه مؤمنًا, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلمًا, قال: فعدت لمقالتي, فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمثلها, قال: