وكلام السلف الصالح من الربط بالمعاني, الربط بالأدلة, وعدم الربط بالذوات, هذا هو موضع أهل العقل, ولهذا كان حتى العقلاء الذين يحكمون العقل ولم يكونوا على بينة وهداية لم يكونوا يتعلقون بذوات العظماء من المفكرين من أساتذتهم ونحو وذلك, ولهذا يقول أرسطو لما قيل له: إن خالفك أفلاطون في قول من الأقوال, قال: اختصم أفلاطون مع الحقيقة، فهو حبيب إلي، والحقيقة أحب منه في حال الخصومة, وهذا عند أهل العقل الذين ليس لديهم من وحي الله جل وعلا شيء, فعرفوا أن الحق إنما هو بمعرفة المعاني لا بتعلق الإنسان بالذوات, لهذا ينبغي للمؤمن أن يحفظ دينه, وذلك بتمييز الحق من الباطل بذات الحق, لا بتمييزه بحملة أصحابه, وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الناس وكثرة انخداعهم كما جاء في حديث عبد الله بن عمرو قال: (كيف بك إذا كنت في أناس قد مرجت عهودهم؟) , والمراد بالمرج هو: تداخل الأشياء وامتزاج بعضها مع بعض، حتى لا يستطيع الإنسان أن يميز هذا من هذا, كان الناس في الزمن السابق عصبة واحدة, أهل الإيمان عصبة, وأهل الباطل عصبة, ولكن في الأزمنة المتأخرة تجد مثل القنوات الفضائية يُعرض الخير ثم يعرض المناقض له بعده بساعة في وسائل الإعلام, فيتقلب الناس في هذا من جهة الاتباع, يقول عبد الله بن عمرو عليه رضوان الله تعالى: (فقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا أصنع؟ قال: عليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام) .
في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك بخاصة نفسك، ودع عنك العوام) , أن تأثر الإنسان بكثرة تقليد الناس وسوادهم واتباع السواد والدهماء من الناس، فاتباع هؤلاء من أعظم ما يصرف الإنسان عن اتباع الحق، فينبغي للإنسان أن يستقل بنظره وتمييزه للحق من الباطل أكثر من اتباعه للكثرة, فإن الكثرة من جهة الأصل إذا كانت ليست بمحمودة بمجموعها لأن أكثر الناس لا يعقلون, وأكثر الناس لا يعلمون وأكثر الناس لا يؤمنون؛ فكذلك في آخر الزمان فإن ذلك آكد وأحوط, لهذا كان من أعظم ما يسلم معه الإنسان في آخر الزمان أن يبتعد الإنسان عن تحليلات العامة ومداركهم, ومعنى الخطلة هنا بنوعيها؛ إما أن تكون خلطة بدنية, فلا يأمن الإنسان على منافذ العلم أن يقذف إليه شيء من المعلومات الخاطئة فيتلقفها بهوى, أو يكون إدراكه ضعيفًا فيمتنع عن مخالطة الناس, أما من أمن من نفسه وكان محصنًا من جهة فكره، فينبغي له أن يخالط الناس فيصحح أفكارهم, وإذا كان يخالطهم، وهذا هو الأغلب أن الإنسان يلتزم بمخالطة الناس؛ وذلك لأن مصالح الإنسان في دينه ودنياه يلزم لها ذلك, لكن لا يثير معهم الأقوال والأفعال ونحو ذلك؛ لماذا؟ خاصة في مواضع الفتن والتباس الحق من الباطل لا يستطيع الإنسان أن يقنع الناس بهذا, فربما مع كثرة أقوالهم التي يسمعها ليلًا ونهارًا أن ذلك يؤثر على الحق الذي بين يديه, والطرق فإنه يؤثر على أصلب المواد, فإن الطرق في الحديد يؤثر فيه ويلينه، وكذلك الحقائق التي تكون في قلب الإنسان, لهذا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مخالطة الإنسان لغيره أنها تؤثر على الحقيقة التي لديه, لهذا بين