فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 24

فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد من ارتد من العرب, ولماذا كان ربط الارتداد بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم مجردًا، مع أن الأحكام والمعاني كانت موجودة قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبعده؟

ثم أيضًا لماذا كان الارتداد في الخارجين النائين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان في القريبين؟ لأن الأبعدين إنما تعلقوا بهيبة الذات أكثر من التعلق بهيبة المعاني, وكذلك فإن المنافقين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم ممن كان في أطراف المدينة أكثر ممن كان مخالطًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, والصحابة عليهم رضوان الله تعالى حرصوا على تصحيح الباطن أكثر من الظاهر، وذلك ليوافق من كان حول المدينة من كان داخلًا فيها، كما جاء عن أبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى, لما دفعوا الزكاة لأبي بكر الصديق وخضع من خضع، قال: (والله لا نكف عن قتالهم حتى يؤمنوا أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار) , والمراد بذلك أن ثمة إشارة إلى أن إيمانهم السابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متعلقًا بذاته, وخشية وهيبة, وذلك أن الله جل وعلا قد نصر نبيه عليه الصلاة والسلام بالرعب مسيرة شهر كامل, وهذا الرعب والانكسار الذي كان في قلوب كثير من الناس حمل القلوب على الإيمان والركون, وكذلك الانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ضعف إيمان, كثير من الناس لديه شائبة في اتباع الذوات, ولا يخلو أحد من ذلك إلا النزر اليسير, ولهذا وجد عند خيرة الخلق من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأنبياء شيء من ذلك, ولهذا لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وقع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء من الخلاف اليسير, ووقع فيهم شيء من الفزع, فأنزر الله جل وعلا شيئًا يتعلق بذات رسول الله صلى الله عليه وسلم وفصلًا بين الذات والمعاني التي حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم, وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل عمران:144] , الانقلاب على العقب إشارة إلى أن الإنسان كان متبعًا في السابق, فهو يسير في طريقه خلف من؟ إما أن يكون منساقًا خلف ذات أو منساقًا خلف معنى, والمعنى موجود والذات قد زالت, فإذا كان الله قد أخذ نبيه عليه الصلاة والسلام واختاره إليه، فمن نكص على عقبيه ممن كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو متعلق بذاته, ومن بقي ثابتًا فهو متعلق بالمعنى الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمته, وهذا الأمر زلزل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم من العلية, وكان هذا الزلزال الذي وقع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقع على الأمة جمعاء بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن مغيرًا من طريقهم، ولكن هو نوع من الذهول, ولهذا وقع في هذا الأمر بعض الخاصة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنهم لم يدعوا اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم, الصفوة كأبي بكر الصديق عليه رضوان الله تعالى هو الذي قام في هذا الأمر، وثبت على ما هو عليه، وبين لمن حوله هذا الأمر أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءنا بالمعاني ما جاء بذاته عليه الصلاة والسلام, فذاته عليه الصلاة والسلام أوجدها الله جل وعلا، ويأخذها الله سبحانه وتعالى متى شاء أن يأخذها, ولا عذر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت