الدكتور/ محمود بن حسين الحريري
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ··
المسألة الأولى: توديع الأهل والأصدقاء
المجتمع الإسلامي قوي الروابط، إذا غاب فرد افتقده أهله وجيرانه، وفي توديعهم إعلام لهم بأسباب غيبته·
وهذا الأدب علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، فوعوه عنه، فكانوا يفعلونه مع بعضهم، ويعلمونه غيرهم·
ففي مسند الإمام أحمد (1) عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه إذا أتى الرجل وهو يريد السفر، قال له: أدنُ أودعك الله، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا، فيقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) ·
ومثل هذا روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال لرجل: أودّعك كما ودعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه) (2) ·
وهكذا كان يفعل (3) صلى الله عليه وسلم، عندما يودع جيشًا أو سرية، ويدعو كلٌ من المسافر والمقيم لصاحبه، ويسأله الدعاء، إذ إن دعوة المسافر لاترد، كما في الحديث: ثلاث دعوات مستجابات دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده (4) ·
ولفعله صلى الله عليه وسلم، فقد جاءه عمر رضي الله عنه، يستأذنه في عُمرةٍ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له: (لا تنسنا يا أخي من دعائك) ، وفي روايه: (أشركنا يا أخي في دعائك) (5) ·
ولهذه الأحاديث وغيرها، ذهب الفقهاء على اختلاف مذاهبهم إلى ندب توديع المسافر، قال النووي وهو يعدد آداب السفر: يُستحب أن يُوَدِع أهله وجيرانه وأصدقاءه وسائر أحبابه، وأن يودعوه، ويقول كل واحد لصاحبه: استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، زودك الله التقوى، وغفر لك ذنبك، ويسر الخير لك حيثما كنت (1) ·
والظاهر من كلام النووي أن هذه السنة يقوم بها المسافر، فيذهب بنفسه لتوديعهم، وهو ما صرح به المالكية أيضًا، قال الصاوي: اعلم أنه يستحب لمن أراد الخروج للسفر أن يذهب لإخوانه، يسلم عليهم ويودعهم ويسألهم الدعاء، وأن يودعوه، ويدعون له بما دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن جاء يريد سفرًا (2) ·
وقال الكمال بن الهمام: ويودع أهله وإخوانه، ويستحلّهم، ويطلب دعاءهم، ويأتيهم لذلك، وهو يأتونه إذا قدم (3)
(1) نشر مجلة البحوث الفقهية المعاصرة