والأشخاص، لكن يبقى الحكم العام على عمومه، وهو أن الخير والسلامة في الجماعة، والشر والهلاك في الشذوذ والانفراد، فإن الذئب لا يأكل من الغنم إلا القاصية·
وفي أسفار اليوم وإن أُمِنت الطرق، فإن المرء لا يعلم ما يحدث له، قال ابن عمر في رجل سافر وحده: أرأيتم إن مات، من أسأل عنه؟ فإن المنفرد في السفر لو مات لم يكن عنده من يغسله ويدفنه، ولا من يوصي إليه في ماله وأهله، ويحمل خبره إليهم (1) ·
ولهذا تبقى هذه السنة، وتستمر وإن أُمِن الطريق وقلت المخاطر، والذي يجب التنبه له، هو اختيار الرفيق الصالح المعين على الخير، والمانع من الشر، الذي يذكِّر صاحبه إذا نسي، ويقويه إذا ذكر، حسن الأخلاق والمعشر، الصبور على وعثاء السفر·
المسألة السابعة
الإمارة في السفر:
سبق أن ذكرنا حث الإسلام على اتخاذ الرفقة في السفر، وبينّا كراهيته الوحدة والانفراد، وبما أن الكثرة مدعاة لاختلاف الآراء والأهواء، لذا ندب الشارع إلى جعل أمير للركب، ففي سنن أبي دواد عن أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم) ، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) (1) ·
قال الخطابي معللًا ذلك الأمر: إنما اَمَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ليكون أَمْرُهم جميعًا، ولا يتفرق بهم الرأي، ولا يقع بينهم خلاف فيعنتوا (2) ·
ولهذين الحديثين قال عامة العلماء بندب اتخاذ الأمير على الركب في السفر، قال النووي: يستحب أن يؤمِّر الرفقة على أنفسهم أفضلهم، وأجودهم رأيًا، ويطيعونه، لحديث أبي سعيد وأبي هريرة (3) · لكن الماوردي من الشافعية ذهب إلى وجوب ذلك، قال في الحاوي: وهذا الأمر على سبيل الوجوب (4) ·
وقد أفاض الغزالي في بيان أسباب اتخاذ الأمير، وبيان صفاته فقال: وليؤمروا أحسنهم أخلاقًا، وأرفقهم بالأصحاب، وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة، وإنما يُحتاج إلى الأمير، لأن الآراء تختلف في تعيين المنازل، والطرق ومصالح السفر، ولا نظام إلا في الوحدة، ولا فساد إلا في الكثرة، وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ومهما كان المدبر واحدًا انتظم أمر التدبير، وإذا كثر المدبرون فسدت الأمور في الحضر والسفر، إلا أن مواطن الإقامة لا تخلو من أمير عام كأمير البلد، وأمير خاص كرب الدار، وأما السفر فلا يتعين له أمير إلا بالتأمير، فلهذا وجب التأمير ليجتمع شتات الآراء، ثم على الأمير ألاّ ينظر إلا لمصلحة القوم، وأن يجعل نفسه وقاية لهم (1) ·
وهكذا كان فعله صلى الله عليه وسلم في تعيين الأمراء واختيارهم، وكذلك عامة الصحابة رضوان الله عليهم،