أما سفر الاثنين فهو أولى بالجواز، ودليله أصرح من سفر الواحد، فقد استأذن مالك بن الحويرث وصاحبه من النبي صلى الله عليه وسلم في السفر إلى قومهما، فأذن لهما، وأوصاهما إذا حان وقت الصلاة فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما (1) ·
فإذنه صلى الله عليه وسلم لهما بالسفر صريح بجوازه وإباحته، وفي مسند أحمد عن عبدالله بن عمرو بن الفغواء عن أبيه قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح، فقال: التمس صاحبًا، فجاء عمرو بن أمية الضمري فقال: بلغني أنك تريد الخروج، وتلتمس صاحبًا، فقلت: أجل· قال: فأنا لك صاحب، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبلغته أني وجدت صاحبًا، قال من؟ قلت عمرو بن أمية الضمري، فقال: إذا هبطت بلاد قومه فاحذره فإنه قد قال القائل"أخوك البكري ولا تأمنه"قال: فخرجنا حتى إذا جئت الأبواء··· الحديث (2) ·
وهذا صريح في جواز سفر الاثنين وفيه وصية بالحذر من رفيق السفر إذا كانا اثنين ومعه ما يدعو إلى الغدر من مال وغيره·
أما سفر الثلاثة فهو أولى وأفضل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الثلاثة بالركب فقال: (الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب) (3) ، أي جماعة لا يقوى الشيطان عليهم، ففي موطأ مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الشيطان يهم بالواحد وبالاثنين، فإذا كانوا ثلاثة مايَهِمُ بهم) (1) ·
ومع القول بجواز سفر الواحد بمفرده، إلا أن عامة العلماء نصوا على كراهته، ودليلهم حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم، ما سار راكب بليل وحده (2) ، أي لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم من الآفات والغوائل وإلقاء النفس في التهلكة، لكن الحديث صريح في سفر الليل، وهو لا شك أكثر مخاطر على كل الأحوال والظروف والأزمان·
وهناك حديث في مسند أحمد صريح في النهي، وعام في كل الأسفار، عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوحدة، أن يبيت الرجل وحده أو يسافر وحده (3) ·
كما استدلوا بالحديث السابق الراكب شيطان··· الحديث، والمعنى أن التفرد بالذهاب في الأرض من فعل الشيطان، فهو يحمل عليه، ويدعو له، فقيل إن فاعله شيطان·
قال الباجي: قوله صلى الله عليه وسلم الراكب شيطان، يريد- والله أعلم- حُكمه حُكْم الشيطان، وفِعله فِعل الشيطان في انفراده عن الإنس، وتركه الأُنس بهم، وبُعده عن الارتفاق بمجاورتهم ومرافقتهم، وتركه الجماعة المأمور بها، ويحتمل أن يريد به أن الواحد والاثنين يفرون من الناس، ويستترون منهم، ويخافون لقتلهم وأن الثلاثة ركب، يأمنون ويأنسون بالناس ويُؤنس بهم (4) ولكن نُقل عن الإمام مالك أن ذلك خاص في السفر الطويل الذي تقصر فيه الصلاة أمَّا ما قَصُر عن ذلك فلا بأس أن ينفرد الواحد فيه·
والذي يظهر- والله أعلم- أن الحكم يختلف بحسب نوع الأسفار والظروف والأزمان والوسائل الناقلة