وسلف هذه الأمة (2) ، نقل عن عبدالله المروزي أنه صحبه أبو علي الرباطي، فقال المروزي: على أن تكون أنت الأمير، أو أنا، قال: بل أنت، فلم يزل المروزي يحمل الزاد لنفسه ولأبي علي على ظهره، وأمطرت السماء ذات ليلة، فقام طول الليل على رأس رفيقه، وفي يده كساء يمنع عنه المطر (3) ، وهذه صورة من تاريخ زاخر بمثلها، وعلى مر العصور·
والمستقرئ لتشريع الإسلام يرى حرصه على النظام دائمًا، وقطعه دابر الفوضى والاختلاف، حتى في الأمور العارضة والقصيرة كالسفر مثلًا، كما يرى المطلع على تاريخ الإسلام استجابة خيار الأمة لذلك، منذ صدر الإسلام وحتى عصرنا الحاضر، لأن معظم ما ورد في مسألة الإمارة من نصوص، ينساق على إمارة السفر، وإن كانت إمارة خاصة لا عامة ·
المسألة الثامنة
عدم السرعة في السير:
لقد نقل لنا الصحابة رضوان الله عليهم كيفية سير النبي صلى الله عليه وسلم، وأدق هؤلاء الصحابة من كان رديفه حين أفاض النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة، وهو أسامة بن زيد رضي الله عنهما، فقد سئل: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ قال: كان يسير العنَق فإذا وجد فجوة نَصَّ (1) ·
والعنق هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع، وقيل هو سير سهل في سرعة، وسمي بذلك لأن المشي به يُحَرِك عُنُق الراحلة·
والنص: سير أسرع من العنق (2) ·
ومنه يؤخذ أن السير حسب القدرة والمصلحة·
وعندما أراد الصحابة التعجل، ولأمر مشروع وهو الجمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة، أشار لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوطه، وأمرهم بالتمهل وعدم السرعة·
روى عبدالله بن عباس (3) - وقد دفع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عرفة - أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع وراءه زجرًا شديدًا، وضربًا وصوتًا للإبل، فأشار بسوطه إليهم، وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاح (والإيضاع الإسراع) · والمعنى: التزموا الهدوء فإن الخير ليس في السرعة·
وإنما نهاهم (1) صلى الله عليه وسلم عن الإسراع إبقاء عليهم، لئلا يجحفوا بأنفسهم من بُعدِ المسافة·
وهذا الوصف كاف لبيان الحكم في الاعتدال والتوسط في السير·
لكن هناك أحاديث تدعو إلى الإسراع في بعض الأحوال، فما المقصود بالإسراع هذا وما دوافعه؟