قال النووي: وممن صرح باستحباب حمل المسافر هدية القاضي أبو الطيب (3) ·
ومن المالكية قال أبو البركات الدردير: وندب له استصحاب هدية لعياله وجيرانه، لأنه أبلغ في السرور (4) ·
والذي يظهر مما سبق أن القول بندبها لما ورد في السنة ولآثارها الحسنة، في إدخال السرور على الأهل والجيران والأصدقاء، وإشعارهم بالاهتمام بهم وعدم نسيانه لهم ·
وما زالت هذه السنة قائمة ومعمولًا بها لكونها تتفق مع الطباع السليمة، ويشاهد هذا جليًا في عودة الحجاج والمعتمرين إلى أوطانهم، فعلى الرغم من فقر بعضهم، يسعون جاهدين في حمل الهدايا من الحرمين·
والذي يجب التنبيه عليه في هذا المقام، هو عدم المبالغة في ذلك، وتكليف النفس فوق طاقتها، والشارع لا يكلف نفسًا إلا وسعها وما آتاها، فكل مسافر وطاقته وقدرته، ونهاية الحديث السابق تشير إلى ذلك، بقوله صلى الله عليه وسلم (ولو حجارة) ·
قال أبو الطيب محمد آبادي: أي ولو حجارة زناد، ولا يَقْدُم عليهم بغير شيء، جبرًا لخواطرهم ما أمكن، ولتشوقهم إلى ما يقدم به (1) ·
المسألة الرابعة عشرة
استقبال المسافر عند قدومه:
نقلت كتب السنة أخبارًا كثيرة عن استقبال الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حينما كان يقدم من السفر، كما روت الأخبار استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه، عند قدومهم من أسفارهم، وكذلك استقبل الصحابة بعضهم بعضًا، كما علمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم·
ففي البخاري (1) : لما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجرًا، كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرونه، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم، فلما آووا إلى بيوتهم، أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم، لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله عليه وسلم وأصحابه مُبيضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة·
حتى كان يشارك في هذا صبيان الصحابة، فعن السائب بن يزيد رضي الله عنه، قال: أذكرُ أني خرجت مع الصبيان، نتلقى النبي صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع مقدمة من تبوك (2) ·
وفي سنن الترمذي، لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، خرج الناس يتلقونه إلى ثنية الوداع، فخرجت مع الناس وأنا غلام (3) ·