الصفحة 13 من 27

الأنصار تصنع برسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، آليت ألا أصحب واحدًا منهم إلا خدمته (5) ·

المسألة العاشرة

الحداء في السفر:

من المتفق عليه أن الكلام الموزون المنغم بصوت جميل يحرك القلوب والأرواح، ويهيج العواطف والأشجان، فترتاح له ذوات الأرواح، بل يدعي البعض تأثيره في النبات من الجماد، يصغي إليه الصبي في مهده، والجمل مع بلادة طبعه، ولهذا تتخذ القوافل من يحدو لها لتنشط الإبل في سيرها، حيث تمدّ أعناقها، وتصغي بآذانها حين تسمع صوت الحادي، فتجد وتنشط مع ثقل الأحمال والكلل·

وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُداة يحدون بين يديه في السفر، منهم عبدالله بن رواحة وعامر بن الأكوع، وعمه سلمة بن الأكوع وأنجشة (1) ·

ففي صحيح مسلم عن أنس قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حادٍ حسن الصوت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: رويدًا يا أنجشة لا تكسر القوارير، يعني ضعفة النساء (2) ·

وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم على بعض نسائه- ومعهن أم سليم - فقال: ويحك يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير (3) ·

ولهذه الأحاديث قال العلماء بجواز الحداء، وقاس عليه ابن حجر غناء الركبان المسمى بالنّصب وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط (4) ، بل يرى النووي استحباب ذلك فيقول: يستحب الحداء والرجز في السير، للسرعة وتنشيط الدواب والنفوس، وترويحها، وتيسير السير، للأحاديث الصحيحة، منها حديث أنس وحديث سلمة بن الأكوع (5) ·

ولكن الأمر قد تغير في العصر الحاضر، فلم تعد الأسفار على الإبل، وليست هناك القوافل التي تحتاج إلى الحادي، بل أصبحت السيارات وغيرها من وسائل النقل، والراكب سائقها، أو معه العدد اليسير، فلم يعد للحادي أثر في الراكب والمركوب، فهل يبقى الحكم السابق كذلك؟

والذي يظهر- والله أعلم - أنه لا بأس بالحداء والرجز والقريض للمسافر، إنشادًا وسماعًا حتى عصرنا الحاضر، وذلك حين يشعر بالملل، أو يخشى على نفسه السآمة والكسل، فيروح بالإنشاد روحه ويدفع عن نفسه النعاس والكلل، ويُعَدّ عمله هذا سنة، إذا قصد به التأسي بما ورد، وقد وجد الآن، لمن لا يحسن ذلك تسجيلات بألفاظ ذات معنى رفيع وهادف، وبأصوات عذبة وأنغام جميلة وخالية من الأوتار والمعازف، وهي تغني عن الحادي القديم وتقوم مقامه·

والذي يجب التنبه له هو عدم صحة القياس للأغاني الماجنة - ذات الأصوات المحرمة، والمصحوبة بآلات اللهو المنصوص على حرمتها- على الحداء والإنشاد الثابت جوازه أو استحبابه، وما ذكره ابن حجر من اختلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت