المسألة الخامسة عشرة
صُنع الطعام عند القدوم من السفر:
ذكر الفقهاء الذبائح المسنونة والأطعمة التي يُدعى إليها الناس، وعدوا منها النقيعة، وهي ما يذبح للقادم من السفر، والتحفة وهي ما يذبحه المسافر إذا قدم، ليطعمه زائريه ومهنئيه بسلامة الوصول·
قال البهوتي الحنبلي: والأطعمة التي يدعى الناس إليها أحد عشر، السابع منها النقيعة - من النقع وهو الغبار أو النحر أو القتل تصنع للقادم من السفر، ظاهره طويلًا أو قصيرًا، والثامن التحفة طعام القادم يصنعه هو (1) ·
وقد ذهب عامة الفقهاء إلى استحباب هاتين الوليمتين النقيعة والتحفة، قال الشيرازي الشافعي: الطعام الذي يدعى إليه الناس ستة: الوليمة للعرس والخرس للولادة، والإعذار للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم المسافرة، والمأدبة لغير سبب، ويستحب - أي جميعها - ما سوى الوليمة (2) ، فقد قيل بوجوبها·
وقد جمع النووي بين النقيعة والتحفة فقال: قول الأصحاب النقيعة لقدوم المسافر، ليس فيه بيان من يتخذها أهو القادم أم المقدوم عليهم؟ وفيه خلاف لأهل اللغة، فنقل الأزهري عن الفراء أنه القادم، وقال صاحب المحكم هو طعام يصنع للقادم، وهو الأظهر (3) ، وقال في المجموع يستحب النقيعة وهي طعام يعمل لقدوم المسافر، ويطلق على ما يعمله المسافر القادم، وعلى ما يعمله غيره له (4) ·
ودليل هؤلاء على ندبها فعله صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري عن جابر ابن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة نحر جزورًا أو بقرة (1) · (شك من الراوي) ، وهذا دليل على أن الصانع لها هو المسافر، ثم أيد هذا بفعل ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا قدم من السفر أفطر أيامًا، لأجل الذين يغشونه للسلام عليه والتهنئة بالقدوم، ثم يعود إلى الصيام، والمراد أنه كان يطعم من يأتيه ويأكل معهم·
لكن ابن بطال خص ذلك بالرجل العظيم، أخذًا من خبر ابن عمر فقال: فيه إطعام الإمام والرئىس أصحابه عند القدوم من السفر، وهو مستحب عند السلف ويسمى النقيعة (2) ·
أما صنع الطعام للقادم من السفر فلعل دليله أحاديث إكرام الضيف، لأنه إما قادم على غير أهله فهو ضيف حقيقة، وفي الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يومه وليلته، الضيافة ثلاثة أيام وما بعد ذلك فهو صدقة) (3) ، أو أنه قادم على أهله وهذا أبلغ من الضيف، والاحتفاء به أدعى، وذهب بعض الفقهاء إلى مشروعية ذلك ولم يصرح بندبها واستحبابه كالحنابلة (4) ، لكن الناظر إلى أسبابها وآثارها يرجح ندبها، إذ في ذلك إظهار لنعم الله وشكرها، ونشر للمحبة والمودة واكتساب للأجر بإطعام الطعام·
المسألة السادسة عشرة
عدم دخول المسافر على أهله ليلًا: