روت كتب السنة أحاديث النهي عن دخول المسافر على أهله ليلًا، من أقواله صلى الله عليه وسلم وفعله، ففي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يطرق أهله ليلًا، وكان يأتيهم غدوة أو عشية، وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا قدم أحدكم ليلًا، فلا يأتين أهله طروقًا، حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة) (1) ، والذي يظهر من صريح النهي أن الحكم معلل، بأ لاّ يرى من أهله ما يسوءه من مظهر المغيبة والشعثة (2) ، ولكيلا يصدر منه أمر مبني على التعجل، فقد كانت الإنارة ضعيفة، فيرى أمرًا على خلاف الحقيقة، كالذي حدث لعبدالله بن رواحة، فقد قدم من سفر ليلًا، فتعجل إلى امرأته فإذا في بيته مصباح، وإذا مع امرأته شيء، فأخذ السيف، فقالت امرأته إليك، إليك عني، فلانة تمشطني، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فنهى أن يطرق الرجل أهله ليلًا (3) ، وفي مسند أحمد والترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (لا تلجوا على المغيبات، فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم) (4) ·
وأيضًا لئلا يفسر فعله بالتخون وتلمس العثرات، كما في صحيح مسلم عن جابر، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلًا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم، وإن كان الراوي لا يدري هل (يتخونهم أو يلتمس عثراتهم) من الحديث أم لا (1) ؟ وقد عَنْوَنَ البخاري من فقهه بذلك، فقال: باب لا يطرق أهله ليلًا إذا أطال الغيبة، مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم، ومن مجموع هذه الأحاديث كلها، قال الفقهاء بكراهة دخول المسافر على أهله ليلًا وبغتة إذا طال سفره، قال النووي: يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلًا بغتة، فأما من كان سفره قريبًا، تتوقع امرأته إتيانه ليلًا، فلا بأس (2) ، وحجته على اشتراط طول السفر والمباغتة، ما جاء في إحدى الروايات في صحيح مسلم (3) عن جابر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقًا، وفي البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أطال أحدكم الغيبة، فلا يطرق أهله ليلًا (4) ، ولهذا إذا سبق عِلْمُهم بقدوم المسافر، كأن يقدم في قفل عظيم، أو يعلمون بإحدى وسائل الاتصال الحديثة، فلا بأس بدخوله متى شاء، لزوال المعنى الذي جاء النهي من أجله، ويؤيد هذا ما في رواية جابر، قال (5) : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فلما قدمنا المدينة، ذهبنا لندخل، فقال أمهلوا حتى ندخل ليلًا، أي عشاءً كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة، وفي صحيح ابن خزيمة أنه صلى الله عليه وسلم أرسل من يُؤذِن الناسَ أنهم قادمون، وقد نص المالكية على استحباب دخول المسافر ضحى، لأنه أبلغ في السرور، والظاهر ألاّ دليل يقوى على معارضة الثابت في صحيحي البخاري ومسلم، من دخوله صلى الله عليه وسلم غدوة وعشية، ولكن ذهب ابن حزم إلى أن من قدم من سفر نهارًا فلا يدخل إلا ليلًا، ومن قدم ليلًا فلا يدخل إلا نهارًا (6) · ثم صرح المالكية بكراهة الدخول ليلًا في حق ذي الزوجة، إذا كان غير معلوم القدوم، وسواء كانت الغيبة قريبة أم بعيدة، قال الدسوقي: وهو المعتمد خلافًا للزرقاني الذي يرى اختصاصه بطويل الغيبة، و هو الصحيح المعضود بالدليل، فإن علم أهلُه قدومه ليلًا فلا كراهة في دخوله (1) · والراجح أن المسألة ليست على إطلاقها بالكراهة، بل هي معللة ومقيدة، تدور مع علتها حيث دارت، خاصة في هذه الأزمنة، التي تطورت فيها وسائل الاتصال الحديثة، وأصبح التأخر في الوصول أكثر إساءة من دخول المسافر على أهله ليلًا·