الصفحة 6 من 27

منع منه حينئذ لعدم العلة، هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون (1) ·

والذي أراه ألا خلاف بين أقوالهم لأن من قال بالكراهة مطلقًا، فقوله مبني على ترجيحه جانب الخوف من العدو أن ينال المصحف بأذى، ولذا نستطيع القول باتفاق الفقهاء على جواز السفر بالمصحف إذا أُمن عليه من المهانة والنيل منه، بل قد يكون مندوبًا أو واجبًا، كطالب مبتعث إلى الغرب، حافظ للقرآن ويخشى على نفسه النسيان، أو تاجر لا يحفظ، ويريد أن يقرأ حزبه، ويبقى على صلة بالقرآن، أو داعية لايحفظ جميع القرآن، وليس أمامه سوى اصطحاب المصحف إلى ديار غير المسلمين، وهم لا يخشون الإساءة إلى المصحف، بل يغلب على ظنهم تعظيمه، والانتفاع به حتى من غير المسلمين، فلا شك بجوازه أو ندبه أو وجوبه حسب الظروف والأحوال·

ويسري هذا الحكم جوازًا ومنعًا على كل شيء معظم عند المسلمين، ككتب السنة المطهرة وغيرها، حتى عممه بعض أهل العلم على الدراهم والدنانير المنقوشة بأسماء الله تعالى، قال القاضي: وكره مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى وذكره سبحانه وتعالى (2) وقال الشيخ مبارك الأحسائي: وحرم إرسال مصحف للكفار، وينبغي تحريم كتاب مشتمل على آيات كثيرة كصحيح البخاري (3) ·

المسألة السادسة

عدم الوحدة في السفر:

لا شك في جواز سفر الواحد بمفرده، فقد أورد البخاري بابًا عَنْونه بقوله"باب هل يبعث الطليعة وحده؟"وذكر فيه حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس يوم الخندق، فانتدب الزبير، ثم ندب الناس، فانتدب الزبير··· الحديث (1) ·

قال ابن حجر: في هذا الحديث جواز السفر وحده، وأن النهي عن السفر وحده إنما هو حيث لا تدعو الحاجة إلى ذلك (2) ·

إلا أن إيراد البخاري عنوان الباب بصيغة الاستفهام، يشعر بعدم الجزم بما قاله ابن حجر، ويؤكد هذا تكرار ندب النبي صلى الله عليه وسلم للناس، بعد أن ندب الزبير نفسه، مما يشعر بالحاجة إلى أكثر من واحد، وحيث لم يتقدم أحد، فقد أرسل الزبير بمفرده، وهو المحل الذي استقى منه ابن حجر حكمه، في قوله، إذ لو لم يكن جائزًا لما أرسله بمفرده، في سفر تحفه المخاطر، ولو كان قصيرًا، وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، ففي كتب المغازي أنه صلى الله عليه وسلم بعث بَسْبَسَه (3) بن عمر الجنهي ينظر ما صنعت عير أبي سفيان، وبعث عتبة الخزاعي يوم الحديبية، وبعث حذيفة، ونعيم بن مسعود، وعبدالله بن أنيس وخوان بن جبير، وعمر بن أمية، وسالم بن عمير، كل واحد على انفراد في مهمة تحتاج إلى سفر، ولو قصيرًا لا تقصر في مثله الصلاة (4) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت