الفقهاء في قياس الغناء على الحداء، غير الغناء الحاضر المصحوب بالآلات المحرمة، فقد قال: واستُدِل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنّصْب وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقًا بالألحان التي تشتمل عليها الموسيقى، وفيه نظر، وقال الماوردي: اختلف فيه، فأباحه قوم مطلقًا، ومنعه قوم مطلقًا، وكرهه مالك والشافعي في أصح القولين، ونقل عن أبي حنيفة المنع وكذا أكثر الحنابلة، ونقل ابن الطاهر في كتاب السماع الجواز عن كثير من الصحابة، لكن لم يثبت من ذلك شيء إلا في النصب المشار إليه أولًا، قال ابن عبدالبر: الغناء الممنوع مافيه تمطيط وإفساد لوزن الشعر طلبًا للطرب وخروجًا من مذاهب العرب وإنما وردت الرخصة في الضرب الأول دون ألحان العجم، قال الماوردي: هو الذي لم يزل أهل الحجاز يرخصون فيه من غير نكير إلا في حالتين، أن يُكثر منه جدًا وأن يصحبه ما يمنعه منه ·
واحتج من أباحه بأن فيه ترويحًا للنفس، فإن فعله ليقوى على الطاعة فهو مطيع، أو على المعصية فهو عاص، وإلا فهو مثل التنزه في البستان والتفرج على المارة، وأطنب الغزالي في الاستدلال، ومحصله أن الحداء بالرجز والشعر لم يزل يفعل في الحضرة النبوية، وربما التمس ذلك، وليس هو إلا أشعار توزن بأصوات طيبة وألحان موزونة، وكذلك الغناء أشعار موزونة تؤدى بأصوات مستلذة وألحان موزونة (1) ·
والذي لا خلاف فيه أن الغناء يكون محرمًا إذا صاحبه عارض من العوارض الآتية، عارض في المُسْمِع، كأن يكون امرأة أجنبية وعارض في آلة الإسماع، كالأوتار والمعازف، وعارض في نظم الصوت، كأن يكون فيه تحريض على الخنا والفحش والمجون، وعارض في المُسْتِمع كمن تستثار شهوته لأي نوع من الغناء، والله أعلم·
المسألة الحادية عشرة
كراهية اصطحاب الكلب والجرس في السفر:
وردت أحاديث كثيرة في النهي عن اتخاذ الكلاب واستعمال الأجراس، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أمسك كلبًا فإنه ينقص كل يوم من عمله قيراط إلا كلب غنم أو حرث أو صيد) ، وعن سفيان بن أبي أزهر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من اقتنى كلبًا لا يغنى عنه زرعًا ولا ضرعًا نقص كل يوم من عمله قيراط) (1) ·
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجرس مزامير الشيطان) (2) ·
وفي سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس) (3) ، وعند النسائي عن أم سلمة قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جلجل ولا جرس) (4) ·
ولكن لما جرت عادة المسافرين في قوافل اصطحاب كلاب الحراسة ووضع الأجراس والجلاجل في أعناق