الصفحة 16 من 27

عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق، فإنها مأوى الهوام، وفي رواية وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل) (2) ·

والتعريس عند أهل اللغة النزول في أواخر الليل للنوم والراحة، وقال أبو زيد: هو النزول أي وقت كان، من ليل أو نهار، إلا أن النووي قال: والمراد بهذا الحديث هو المعنى الأول (3) ، وهو منصوص عليه بالروايتين ففي الأولى (عرستم بالليل) وفي الثانية (ومأوى الهوام بالليل) وهو ولا شك مكمن الخطر، لظلامه، أما النهار فهو الآية المبصرة، التي يستطيع الإنسان أن يبصر ما يحيق به من خطر قبل وقوعه فيدفعه·

قال النووي: والنهي عن التعريس في الطرق أدب من آداب السير والنزول، أرشد إليه صلى الله عليه وسلم، لأن الحشرات ودواب الأرض من ذوات السموم والسباع تمشي في الليل على الطرق لسهولتها، ولأنها تلتقط منها ما يسقط من مأكول ونحوه، وما تجد فيها من رمة ونحوها، فإذا عرس الإنسان في الطريق ربما مر به منها ما يؤذيه، فينبغي أن يتباعد عن الطريق (1) ·

فالنهي الوارد في الحديث للكراهة، لأنه من باب سد الذرائع والاحتياط لطلب السلامة، لكن النص على حِكْمة النهي لا يستلزم حصرها فيه، فلو أمن النازل الدواب والهوام، ما ارتفعت الكراهة، لاحتمال حِكَم وعِلل أُخر، ونحن نلمس فائدة هذا الأدب النبوي الآن، فكم من كارثة معاصرة وقعت لمخالفة هذا النهي، ونتيجة للتعريس على قارعة الطرق، سيارة قتلت عشرة حجاج نزلوا وسط طريق فرعي، وأخرى قتلت اثنين ناما على جانب الطريق ولم يبتعدا عنه بما يكفي، ويحمي من غوائل الطرق، وغير ذلك كثير، ويؤكد هذا المعنى خبراء السلامة في إدارات الطرق والمرور ·

المسألة الثالثة عشرة

إحضار المسافر للهدايا عند قدومه:

روى الدارقطني في سننه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قدم أحدكم من سفر فليهدِ إلى أهله، وليطرفهم ولو كانت حجارة) (1) ·

ومع أن هذا الحديث ضعيف، إلا أن الفقهاء رحمهم الله قالوا باستحباب حمل الهدايا للمسافر، إذا قدم إلى أهله، فقد قال الغزالي: وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره، على قدر إمكانه فهو سنة، فقد روي أنه إن لم يجد شيئًا فليضع في مخلاته حجرًا، وكأن هذا مبالغة في الاستحثاث على هذه المكرمة، لأن الأعين تمتد إلى القادم من السفر، والقلوب تفرح به، فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم، وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم، بما يصحبه في الطريق لهم (2) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت