ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة حاجًّا، استقبله غلمان من بني عبدالمطلب، منهم ابن عباس وابن جعفر بن أبي طالب، ومعهم عبدالله بن الزبير، وعَنْوَنَ البخاري (1) لذلك بابًا قال فيه (باب استقبال الحاج القادمين) ، قال ابن حجر: وكون الترجمة لتلقي القادم من الحج، والحديث دال على تلقي القادم للحج، ليس بينهما تخالف، لاتفاقهما من حيث المعنى (2) ·
فهذه صورة لاستقبال الصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لدى عودته من الهجرة والغزو والحج، ومعظم أسفاره كذلك، قال ابن القيم: كانت أسفاره صلى الله عليه وسلم دائرة بين أربعة أسفار: سفره لهجرته، وسفره للجهاد وهو أكثرها، وسفره للعمرة، وسفره للحج (3) ·
وكذلك استقبل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، عندما يقدم أحدهم من سفره، ففي سنن أبي داود، أنه صلى الله عليه وسلم تلقى جعفر بن أبي طالب، فالتزمه، وقبل ما بين عينيه (4) ، وكان قادمًا من مهجره في الحبشة، وفي سنن الترمذي عن عائشة (5) أم المؤمنين رضي الله عنها، قالت: قدم زيد بن حارثة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فأتى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانًا قبلها ولا بعدها، فاعتنقه وقَبله·
وهكذا استقبل الصحابة بعضهم بعضًا، فقد أخرج أبو نعيم (1) في الحلية، عن عروة رضي الله عنه، قال: لما قدم عمر رضي الله عنه الشام، تلقاه الناس وعظماء الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال أبو عبيدة رضي الله عنه، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه، وفي صحيح البخاري أن التابعي أنس بن سيرين قال: استقبلنا أنسًا - أي ابن مالك - حين قدم من الشام، فلقيناه بعين التمر (2) ، ولهذه الآثار - وغيرها كثير - ذهب الفقهاء إلى ندب استقبال المسافر، وتلقيه حال عودته·
قال الدسوقي: وأما إذا قدم من السفر فالمستحب لإخوانه أن يأتوا إليه، ويسلموا عليه (3) ·
وقال النووي (4) : يسن تلقي المسافرين، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر، فاستقبله أغيلمة بن عبد المطلب·