روى مسلم في صحيحه في باب مراعاة مصلحة الدواب في السير، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سافر تم في الخصب، فأعطوا الإبل حظها من الأرض، وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير) (2) ·
والمعنى إذا سافر في الجدب والقحط، فعجلوا السير لتصلوا إلى مقصدكم، وبها قوة·
ولا يمكن أن يراد بالسرعة إجهاد الإبل، لأنها أصلًا غير مطيقة لذلك، لقلة زادها، ولأن في صدر الحديث كما في رواية مالك في الموطأ (إن الله رفيق يحب الرفق ويرضى به، ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها··· الحديث) قال الباجي: يريد أجروها على ما فيه صلاحها، من غير عنف عليها، ولاتقصر عن حاجتكم، يقال أنزلت فلانًا منزلته أي عاملته بما يجب في أمره، ويليق بحاله غير مقصر به، ولا مبلغ له مالا يستأهله (3) ·
وكذلك ورد التعجل في السير إذا وصل مشارف المدينة، ورأى معالمها أو كان به لذلك حاجة كما روى البخاري (4) أن ابن عمر رضي الله عنه جدَّ السير، عندما بلغه شِدة مرض زوجته، لعله أن يدركها، والمهم في المسألة أن الأصل عدم الإسراع، والرفق بنفسه وبراحلته، فمعظم سير النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، كان في مؤخرة الركب، ليردف العاجز، ويسير بسير الضعيف، قال محمد بن رشد: أجاز مالك رحمه الله أن يسرع الرجل في السير، في سفر لحاجة تعرض، وإن تجاوز في ذلك المعهود في المشي، ولم يرَ عليه حرجًا في إتعاب دابته في ذلك، واستدل على جواز ذلك بسير عبدالله بن عمر من مكة إلى المدينة في ثلاثة أيام، وهي مسيرة عشر مراحل، على السير المعتاد، ثم قال ابن رشد: ومما يدل عليه الحديث أنه يكره له أن يفعل ذلك من غير حاجة، ويجوز له أن يفعله لحاجة (2) ·
ولا شك أن السرعة في العصر الحاضر مدعاة للهلاك، فمعظم حوادث السير من عدم الالتزام بقواعد السير في السرعة، فالمسرع نادم، لأنه في الغالب ما حفظ نفسه، ولا وصل هدفه، كما في المثل العربي: المُنْبَتُّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى (3) ، وهو يقال لمن ركب راحلته فأوسعها ضربًا يريد منها السرعة، وفي منتصف الطريق هلكت الدابة، فلا هو بالذي وصل إلى غايته، ومقصده، ولا هو بالذي حفظ فرسه، وأبقى عليها·
مراعاة قواعد السير بشكل عام:
يرى الباحث في طيات كتب السلف نصوصًا تتحدث عن الآداب المتعلقة بوسائل النقل، كعدم تحميل الدابة فوق طاقتها، وإراحتها بين الحين والحين، ومراعاة مصلحتها من طعام ومرعى، وإذا كانت هذه الآداب قد صيغت بلغة عصرها، المناسبة لوسائل النقل المتوافرة في حينها، فهي ولا شك تصلح للأخذ بها، وتحويلها إلى قواعد عصرية للسلامة في السير· ومن هذه القواعد مَنْعُ تحميل السيارة أكثر من طاقتها، المسموح بها والمرخص لها من ذوي العلم والاختصاص، وذلك أخذًا من قول النووي (1) : ويجوز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، ولا يجوز إذا لم تكن مطيقة، ثم يسرد الأدلة على ذلك، ومثل الإرداف تحميلها فوق طاقتها من متاع وغيره، قال النووي (2) : لا