فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 55

إن من محاسن الإسلام أن جعل الجهاد في دائرة مغلقة، لا تتجاوز أهل العدوان والطغيان ممن يقاتلون المسلمين، ولم تتجاوز ذلك إلى كل من يخالف المسلمين في الدين أو العقيدة، وبذلك يفرق المسلمون بين من قاتلهم وبين من لم يقاتلوهم، وفي هذا مثال للرفق والرحمة بالضعفاء من المدنيين.

وقد نهى الله عز وجل عن قتال من لم يقاتل المسلمين، كائنا من كان، من النساء والصبيان والرهبان المنقطعين للعبادة والشيوخ والزمنى: أصحاب الأمراض التي تعوقهم عن الجهاد والعسفاء والأجراء والفلاحون ... قال صلى الله عليه وسلم:"أخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع" [1] .

وقد طبق الصحابة هذه الوصايا النبوية بحذافيرها ومن أمثلة ذلك: ما فعله أبو دجانة سماك بن خرشة رضي الله عنه في غزوة أحد، حينما أخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم بحقه أن يثخن في القوم، فما كان يدع شيئا يمر به إلا هتكه، وبينما هو كذلك إذ رأى إنسانا يشجع الناس، فأقبل عليه، وقد حمل السيف فوق رأسه، فلما علم أنها هند بنت عتبة عدل عنها وتركها [2] . وقال في ذلك:"كرهت أن أضرب بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لا ناصر لها" [3] .

كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتال من ألقى السلاح في فتح مكة، فإنه عليه السلام عندما دخل مكة أمر أن ينادى في القوم:"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن" [4] . فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالكف عمن حمل السلاح لمواجهة المسلمين ثم ألقاه رغبة في السلام، بل إنه لمجرد توقفه عن قتال المسلمين فقد حرم الشرع قتله، وصار بذلك كالمدنيين الذين لا يحملون سلاحا، ولا يجوز قتلهم بأي حال من الأحوال.

4 -عدم الإفساد في الأرض:

(1) -"نيل الأوطار"للشوكاني: كتاب الجهاد والسير: باب الكف عن قصد النساء والصبيان والرهبان ... رقم الحديث: 3324.

(2) -"السيرة النبوية"لابن هشام: 3/ 23.

(3) -"تاريخ"الطبري: 2/ 510.

(4) - أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب رقم 32: الجهاد والسير: باب رقم: 31، فتح مكة، رقم الحديث 4642: 3/ 687.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت