الخلوة الصحيحة: هي أن يجتمع الزوجان بعد عقد الزواج الصحيح في مكان يأمنان فيه من إطلاع الناس عليهما كَدَارٍ أو بيتٍ مغلق الباب.
فإن كان الاجتماع في شارع أو طريق أو مسجد أو حمام عام أو سطح لا ساتر أو في بيت مفتوح الباب والنوافذ أو في بستان لا باب له , فلا تتحقق الخلوة الصحيحة.
ويشترط فيها ألا يكون بأحد الزوجين مانع طبيعي أو حسي أو شرعي يمنع من الوطء أو الاتصال الجنسي.
والمانع الحسي (الحقيقي) : مثل مرض بأحد الزوجين يمنع الوطء من رتَق (تلاحم) , وعفَل (غدة) , أما خلوة الخصيّ (مسلوب الخصية) , والعنين (العاجز عن الجماع) فهي صحيحة.
والمانع الطبيعي: ما يمنع النفس بطبيعتها عن الجماع , مثل وجود شخص ثالث عاقل , ولو كان أعمي أو نائمًا أو صبيًا مميزًا أو زوجة أخرى.
فإن كان هناك غير مميز أو مجنون أو مغمى عليه , فالخلوة صحيحة.
والمانع الشرعي: أن يكون هناك ما يحرم الوطء شرعًا كالصومِ في رمضان , والإِحرام بحج أو عمرة , والاعتكاف , والحيض والنفاس , والدخول في صلاة الفريضة , والخلوة في المسجد , لأن الخلوة في المسجد حرام.
وأما عدم معرفة الرجل للمرأة فقال فيه ابن عابدين:
إن هذا المانع بيده إزالته , بأن يخبرها أنه زوجها , فلما جاء التقصير من جهته , يحكم بصحة الخلوة , فيلزم المهر.
فإن لم تتوافر هذه الشروط فالخلوة فاسدة , بأن يكون الزواج فاسدًا , أو الخلوة في مكان يمكن لأحد الناس الدخول عليهما (عدم صلاحية المكان) أو وجود مانع من الجماع.
وبه يكون معنى الخُلوة الفاسدة: هي كل خلوة وجد فيها مانع من الموانع الثلاثة السابقة , أو وجود شخص ثالث عاقل مع الزوجين , أو عدم صلاحية المكان , أو فساد الزواج.
وقيل الخلوة: مأخوذة من الهدوء والسكون لأن كل واحد من الزوجين قد سكن للآخر واطمأن إليه , وهي المعروفة عندهم بـ (إرخاء الستور) سواء أكان هناك إرخاء ستور أو غلق باب أو غيره.
ومن الخلوة الصحيحة أيضًا , خلوة الزيارة , أي زيارة أحد الزوجين للآخر. (1)
وجاء في بلغة السالك والشرح الصغير:
أن الخلوة - سواء أكانت بمطيعة اهتداء أم خلوة زيارة - هي اختلاء البالغ غير المحبوب بمطيقة , خلوة يمكن فيها الوطء عادة , فلا تكون لحظة تقصر عن زمن الوطء وإن تصادقا علي نفيه. (2)
معنى الإفضاء:
قال القرطبي - رحمه الله:
قال بعضهم: الإفضاء إذا كان معها في لحافٍ واحد جامع , أو لم يجامع. حكاه الهروي وهو قول الكلبي.
وقال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وإن لم يجامعها.
وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع قال ابن عباس ولكن الله كريم يكنى.
وأصل الإفضاء في اللغة: المحافظة؟ ويقال للشيء المختلط فضا.
-قال الشاعر:
فقلت لها يا عمتي لك ناقتي وتمر فضَّا في عيبتي وزبيب.
ويقال: القوم فوضى فضًّا , أي مختلطون لا أمير عليهم. وعلى أن معنى (أفضى) خلا وإن لم يكن جامع. (3)
تأملات في قوله تعالى:"وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ":
"أفضى"بلا مفعول محدد يدع اللفظ مطلقًا , يشع كل معانيه , ويلقي كل ظلاله , ويسكب كل إيحاءاته , ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته.
بل يشمل العواطف والمشاعر , والوجدانيات والتصورات , والأسرار والهموم , والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب.
(1) حاشية الدسوقي (1/ 301, 302)
(2) بلغة السالك والشرح الصغير (1/ 498: 497)
(3) تفسير القرطبي (3/ 1672)