فهرس الكتاب
و ثالثا إن من آثارها أيضا: كثرة الغلو و التعصب المذهبيين، و انتشارهما في مختلف الأمصار الإسلامية بالمشرق و المغرب، بين الطوائف السنية فيما بينها من جهة، و بينها و بين الشيعة من جهة أخري، فكان التعصب المذهبي بين السنيين على أشده خلال العصر الإسلامي. و قد اختلف الباحثون في أي الطوائف السنية أكثر تعصبا؟، فذهب الفقيه حسن صديق خان إلى القول بأن الحنفية هم أشد الناس تعصبا للمذهب [1] . و قال مصطفى الشكعة (( و لقد كان الحنابلة على رأس المعتدين دائما، و اشتهروا بالعنف في معاملة خُصومهم من أبناء المذهب الشافعي، فقد ثاروا عليهم، و ألحقوا بهم الاعتداء ) )،و اتخذوا مسجدا لهم ببغداد مركزا للانقضاض على خصومهم [2] . و قوله هذا ليس صحيحا على إطلاقه، فهو يخص فترة زمنية محدودة و مكان معين، لأنه سبق أن ذكرنا حوادث تاريخية كثيرة كان الحنابلة هم ضحية تعصب الشافعية الأشاعرة عليهم، في عهد نظام الملك و الأيوبيين و المماليك. و أما الحادثة التي بنى عليها حكمه، فهي جرت زمن حكم الخليفة العباسي الراضي بالله (322 - 329 ه) ، و فيها ازداد نشاط الحنابلة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و الاعتراض على مخالفيهم في بعض المسائل الفقهية، فأصدر الخليفة الراضي منشوره المشهور في زجر الحنابلة و تهديدهم بالقتل و التشريد، إن هم لم يُوقفوا أعمالهم [3] .
فهو قد بنى حكمه على الحنابلة انطلاقا من هذه الحادثة، و نسي أو تناسى ما حدث من فتن و تعصّبات في القرن الخامس الهجري و ما بعده إلى زمن الدولة العثمانية، حيث ضعُف جانب أهل الحديث ضعفا شديدا، فكانوا ضحية تعصب الأشاعرة و الماتريدية عليهم، المدعومين من السلطان، بالمشرق الإسلامي و مغربه، لمدة قرون عديدة. و كلامي هذا لا أقوله تعصبا لأهل الحديث و، إنما أقوله تعصبا للحق، و يكفينا -شهادة على ذلك- ما قاله المقريزي (ت قرن:9 ه) ، فقد اعترف صراحة أن الأشاعرة كانوا يقتلون من يجرؤ على إظهار مخالفة الأشعرية. و قد ذكرنا سابقا ما قاله الموفق بن قدامة من أن الحنابلة في زمانه -أيام الأيوبيين- كانوا مقهورين مستضعفين.
و ترى المؤرخة أمينة البيطار إن الحنابلة على كثرتهم، لم يقووا على مقاومة أوضاع البلاد، بسبب تعصبهم على معارضيهم حتى من أهل السنة، و استخدامهم القوة ضدهم، فزاد العداء ضدهم،
(1) صديق خان: أبجد العلوم، ج 2 ص: 405.
(2) مصطفى الشكعة: إسلام بلا مذاهب، ص: 291.
(3) انظر: ابن الأثير: الكامل، ج 8 ص: 308 - 309.