فهرس الكتاب
كمهاجمتهم للشيعة بمسجد براثا ببغداد، و تعرّضهم للمفسر أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، و اعتدائهم على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد [1] .
و قولها هذا غير صحيح، ليس فيه من الصواب إلا القليل، لأنه أولا إن الحنابلة ما كانوا كثيري العدد بالمشرق الإسلامي، بالمقارنة إلى الشافعية و الحنفية، فهم -أي الحنابلة- يأتون في المرتبة الثالثة بعد هؤلاء من حث العدد و الانتشار [2] . و ثانيا إن التعصب المذهبي و استخدام القوة، لم يكن خاصا بالحنابلة و أهل الحديث، فقد مارست ذلك كل الطوائف عندما وجدت من نفسها قوة و دعما من السياسيين؛ و نحن إذا ما قارنا تعصبهم -أي الحنابلة و أهل الحديث- بتعصب غيرهم، من حيث الشدة و اتساع الرقعة، و امتداد الزمن، وجدناه أقل بكثير مما صدر عن خصومهم من تعصبات، و الشواهد التاريخة على ذلك كثيرة جدا، منها ما فعله الشيعة الإسماعيليون العبيديون -الفاطميون- بأهل السنة بالمغرب الإسلامي و مصر، فاضطهدوهم، و أذلوهم، و قتلوا منهم ألاف الشهداء، لأنهم رفضوا أن يطعنوا في الصحابة و يسبوهم [3] ، و قد ذكرنا من ذلك شواهد كثيرة في الفصل الأول.
و منها ما فعله شيعة بغداد بأهل السنة زمن دولة بني بويه الشيعة الزيديين، فقد اظهروا شعاراتهم و ذكرياتهم و مآتمهم، و تعدوا على أهل السنة، و تعصبوا عليهم، و سبوا الصحابة علانية، حتى بلغ بهم الأمر إلى سب رسول الله- عليه الصلاة و السلام- و أزواجه -رضي الله عنهن-. و فعلوا بأهل السنة الأفاعيل عندما دخل القائد التركي البساسيري -الموالي للفاطميين- مدينة بغداد سنة 450 هجرية، فاستباحها و أطلق يد الشيعة فيها، و قد ذكرنا تفاصيل أفعالهم في الفصول الثلاثة السابقة.
و منها ما فعله الأشاعرة بالحنابلة و أهل الحديث زمن قوتهم و نفوذهم أيام الوزير نظام الملك، و في عهد دولتي الأيوبيين و المماليك. و الغريب إنها قالت إن الحنابلة اعتدوا على فقهاء المدرسة النظامية ببغداد، و نسيت أو تناست إن كثيرا من طلابها و مدرسيها و وعاظها هم المعتدون، فاتخذوها منبرا لنشر مذهبهم و مهاجمة أهل الحديث بدعم من الوزير نظام الملك، و قد ذكرنا على ذلك شواهد تاريخية كثيرة.
و خلاصة القول إن التعصب المذهبي كان قائما بين كل الطوائف الإسلامية، و لم تختص به طائفة دون أخرى، فكانت كل طائفة تجد في نفسها قوة، و دعما من السياسيين تتطاول على مخالفيها، لكن من الخطأ إلصاق تهمة التعصب بالحنابلة و أهل الحديث، و السكوت عن الشيعة
(1) أمينة البيطار: تاريخ العصر العباسي، دمشق، مؤسسة الوحدة، 1981، ص: 271.
(2) تبيّن لي ذلك من خلال الشواهد التاريخية الكثيرة، في دراستي للحنابلة لنيل شهادتي الماجستير و الدكتوراه.
(3) انظر مثلا: الذهبي: السيّر، ج 15 ص: 151 و ما بعدها.