فهرس الكتاب
الإسماعيلية و الاثنى عشرية و ما ارتكبوه في حق السنيين من مجازر و منكرات، فهم أكثر الطوائف تعصبا و تطرفا فكرا و سلوكا.
و كذلك الأشاعرة فقد كان تعصبهم أقوى و أوسع و أكثر، من الحنابلة و أهل الحديث، بسبب الانتصار السياسي الساحق الذي حققوه بالمشرق الإسلامي و مغربه، فاستخدموا القوة السياسية و العسكرية، في مواجهتهم لأهل الحديث، كالذي حدث للمرابطين على يد الموحدين، و كالذي جرى للحافظ عبد الغني، و الشيخ تقي الدين ابن تيمية و أصحابه في القرن الثامن الهجري، فطاردوهم، و ضيقوا عليهم، و ضللوهم، و سجنوا بعضهم.
و رابعا: ضعف رباط الأخوة الإسلامية القائم على الدين، و حلول التعصب المذهبي محله، كرباط يجمع أبناء الطائفة الواحدة، و يُباعد بينهم و بين أبناء الطوائف الأخرى، فأدى ذلك إلى تكريس التعصب و الشقاق، و التنافر و التناحر، و اختصاص كل طائفة بمساجدها، و مدارسها، و طلابها، و أساتذتها، و أحيائها السكنية.
و خامسا: انقسام السنيين على أنفسهم-فيما يخص أصول الدين- إلى طائفتين متنازعتين، الأولى: الطائفة السلفية، و تمثل الحنابلة و أهل الحديث، و الثانية: الطائفة الخلفية، و تمثل الأشاعرة و الماتريدية، ثم تجاذبت الطائفتان الانتماء إلى المذهب السني، و ادعت كل طائفة أنها هي الممثل الحقيقي و الشرعي له، و أن الطرف الآخر انحرف عنه و لا يمثله تمثيلا صحيحا [1] .
و أما بالنسبة للجانب العلمي فهو أيضا ترك فيه التعصب المذهبي آثارا سلبية كثيرة و عميقة، منها إنه صبغ الحياة العلمية بطابع التعصب المذهبي في أصول الدين و فروعه، و أدى إلى اشتداد النزاع و التنافر بين مختلف طوائف أهل العلم، فكثُر فيهم الغلاة و المتعصبون من مختلف الطوائف المذهبية دون استثناء.
و ثانيا إنه أدى إلى كثرة الكذب في الأحاديث النبوية، و الروايات التاريخية، انتصارا للمذاهب و ردا على خُصومها، فراجت الأحاديث الضعيفة و الموضوعة بين الناس، و راجت بينهم الأخبار المكذوبة، التي شوّهت جانبا كبيرا من تاريخنا الإسلامي، و أفسدت نظرة كثير من الناس إليه، و قامت عليها دول منحرفة، و مذاهب باطلة ما انزل الله بها من سلطان.
(1) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث.