فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 180

و ثالثا إنه -أي التعصب -أوصل الطوائف المذهبية إلى اختصاص كل منها بمصادر مذهبية مغايرة لمصادر الطوائف الأخرى، فكل طائفة تستقي أصولها و فروعها من مصادرها، فللمعتزلة مصنفاتهم، و للشيعة كتبهم، و للإباضية مؤلفاتهم، و للطوائف السنة مصنفاتها، الأمر الذي أدى إلى ظهور مذاهب فكرية، و مدارس مذهبية، متميزة بعقائدها و فروعها، و بأساتذتها و طلابها، و بمناهجها و تراثها.

و رابعا إنه أوصل الغلاة المتعصبين إلى الانحراف في فهم القرآن الكريم، بإتباع الظن و الهوى في فهمه، و الاحتكام إلى الأفكار المذهبية المسبقة في تفسيره، كما هو حال الشيعة و المعتزلة و غيرهم من الفرق المنحرفة عن الشرع الحكيم، و مثال ذلك ما رُوي أن شيعيا جاء إلى الفقيه أبي بكر غلام الخلال البغدادي الحنبلي (ت 363 ه) ، فسأله عن قوله تعالى: (( وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) )-سورة الزمر: 33 - فقال له: هو أبو بكر الصديق، فقال الشيعي: بل هو علي بن أبي طالب، فهَمّ به أصحابه، فقال لهم: دعوه، ثم قال له: اقرأ ما بعد الآية: (( لهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ، ليُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُو ) )- سورة الزمر:34 - 35 - ، و هذا يقتضي أن يكون هذا المصدق ممن له إساءة سبقت، و على قولك أيها السائل لم يكن لعلي إساءة [1] . بمعنى أن الآية لا تنطبق عليه، و إنما على غيره، و هو أبو بكر الصديق.

و خامسا إنه-أي التعصب- أدخل غالبية أهل العلم -خلال عصر التقليد و التعصب المذهبيين- في قوقعة الفقه المذهبي و كبّلهم به، و صرفهم عن الإطلاع على ما عند الطوائف الأخرى من علم صحيح، و حرمهم من الانتفاع به.

و سادسا إنه أبعد معظم أهل العلم - خلال عهد التقليد و العصب- عن التعامل المباشر مع القرآن الكريم و السنة النبوية، و عن فقه السلف الأول، ففوّت عليهم الانتفاع الصحيح و الكامل من علوم الكتاب و السنة، و فقه الصحابة و تابعيهم، و أغرقهم في الفقه المذهبي المتعصب الضيق الأفق، و أصبحت الشريعة عندهم هي أقوال الفقهاء، و أقوالهم-أي الفقهاء- هي الشريعة [2] . و آراء أئمتهم أسبق من كلام الله و رسوله-عليه الصلاة و السلام -.

و سابعا إنه-أي التعصب المذهبي- أخذ من أهل العلم -على اختلاف طوائفهم- أوقاتا عزيزة كثيرة، و جهودا مضنية عظيمة، أمضوها في خدمة الفقه المذهبي المتعصب، انتصارا له و ردا

(1) أبن أبي يعلى: طبقات الحنابلة، ج 2 ص: 125.

(2) السيد سابق: فقه السنة، ج 1 ص: 10.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت