فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 180

على مخالفيه، فأغرقهم في جزئياته، و فوّت عليهم الاهتمام بإقامة كليات الدين و مقاصده السامية الكبرى، كالأخوة، و العدل، و اجتماع الكلمة، و التعاون على البر و التقوى، و نشر الإسلام بين غير المسلمين.

و ثامنا إنه أفسد العقل الطبيعي الفطري الذي مدحه القرآن الكريم، و أثنى على أصحابه في آيات كثيرة جدا، و هم أولوا الألباب و النُهى، و أصحاب الفطر السليمة، فأفسد ذلك التعصب المذهبي هذا العقل الفطري و مسخه، و أبعده عن نور الهداية الربانية، و قذف به في أحضان الأهواء و الظنون و الشهوات، حتى انتهي به الأمر إلى إنكار ثوابت شرعية معروفة من دين الإسلام بالضرورة، فأنكر ذلك العقل صفات الله تعالى، و قال بقدم الكون، و نفى السببية و طبائع الأشياء و خصائصها، و سبّ الصحابة و كفّرهم، و قال بتحريف القرآن الكريم، هذه المزاعم-وغيرها- كلها باطلة، لا دليل عليها من النقل الصحيح، و لا من العقل الصريح، و لا من العلم الصحيح، و إنما هي مزاعم باطلة أوصل إليها العصب المذهبي الذي أفسد عقول قائليها.

و تاسعا إنه-أي التعصب - أورث في المتمذهبين المتعصبين الجرأة على تخطئة أئمة المخالفين لهم من جهة، و أورث فيهم الضعف و السلبية تجاه أئمتهم من جهة أخرى، فهم في الغالب الأعم لا ينتقدون أئمتهم، ولا يردون عليهم، و يُبالغون في تعظيمهم و تقديسهم و الاعتذار لهم، و البحث لهم عن المخارج حتى و إن كانت آراؤهم ضعيفة مرجوحة، مع الإغراق في الجدل و الخلاف، و إهمال التحقيق العلمي النزيه القائم على الكتاب و السنة و الفقه المتحرر من القيود المذهبية.

و أخيرا -أي عاشرا- إنه أورث في المسلمين نزاعا و تعصبا مذهبيين ما يزالان قائمين إلى يومنا هذا، و لم يجدا حلا صحيحا ناجعا، و ذلك واضح جدا في أدبيات الجماعات و الطوائف الإسلامية المعاصرة، و في مقرراتها و مؤسساتها التعليمية. كما انه واضح أيضا في الشبكة المعلوماتية-الأنترنت-، فهي مليئة بالمواقع ذات الطابع المذهبي المتعصب الصريح و الخفي، بعضها تابع للطوائف السنية، و بعضها تابع للطوائف الشيعية، و بعضها الآخر تابع للخوارج الإباضية؛ و كلها في نزاع و صراع، و سباب و شتم، و تشنيع و تبديع، و تهويل و تنافس، انتصارا للمذهب و تعصبا على مخالفيه، و كسبا للمواقع و النفوذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت