فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 180

و أما الجانب السياسي فهو أيضا تأثر كثيرا بالتعصب المذهبي الذي ترك فيه آثارا كثيرة و عميقة، منها أولا: إن معطم الدول الإسلامية المتمذهبة -خلال عصر التقليد و التمذهب- لم تكن عادلة في تعاملها مع الطوائف المخالفة لها، فكانت الواحدة منها إذا تمذهبت بمذهب طائفة ما، تعصبت لها و مكّنت لها في دولتها، و ضيّقت على الطوائف الأخرى، و قد تضطهدها، فأثر هذا سلبا -بلا شك- في البناء الداخلي لتلك الدول.

و ثانيا إن تمذهب تلك الدول و مشاركتها في نشر التعصب المذهبي و تعميقه، أخذ منها أوقاتا و جهودا كثيرة في خدمة التعصب المذهبي كان من الأولى صرفها في مجالات أخرى بناءة نافعة. كما أن ذلك السلوك أضعف من ولاء الطوائف الأخرى لتلك الدول المتمذهبة المتعصبة.

و ثالثا إن تعصب تلك الدول جعلها تفشل في تعاملها مع مسألة التعصب المذهبي بين الطوائف الإسلامية، فلا هي وحّدت بينها، و لا هي قضت على التعصب المذهبي فيما بينها، و لا هي تحكّمت فيه، فكان الذي قامت به هو تكريس للتعصب المذهبي، و تعميق له، و تشجيع عليه، و مشاركة فيه.

و قد يقول بعض الناس: نعم كانت للتعصب المذهبي أثار كثيرة مدمرة للفرد و المجتمع، ألم تكن له إيجابيات على المجتمع الإسلامي؟.

و أقول: نعم كانت للتعصب المذهبي إيجابيات، لكنها قليلة جدا بالمقارنة إلى سلبياته الكثيرة، و إلى آثاره الخطيرة المدمرة للبلاد و العباد. فمن إيجابياته إنه دفع أتباعه إلى الجد و الاجتهاد لخدمة مذاهبهم، فأنشئوا المؤسسات العلمية الكثيرة، و أنتجوا ثروة علمية كبيرة في أصول الدين و فروعه، حتى أصبح لكل طائفة ثروة هائلة من المصنفات، و كتب الطبقات و التراجم شاهدة على ذلك. غير أنه يُعاب على تلك المدارس أنها كانت-في معظمها- ذات صبغة طائفية مذهبية متعصبة. و يُعاب على تلك الثروة العلمية غلبة التعصب المذهبي عليها، مع كثرة الشروح و المختصرات و قلة الإبداع و التجديد فيها [1] .

و من إيجابياته أيضا إن انتشاره و هيمنته على الحياة العلمية أدى إلى ظهور حركة اجتهادية مقاومة له، و هي و إن كانت ضعيفة و رجالها قلة، فإنها قد تصدت له بحزم و شجاعة، و ضربت أمثلة رائعة في الاجتهاد المتحرر من قيود التعصب المذهبي و أغلاله، و ترك لنا بعض رجالها مصنفات قيمة في ممارسة الاجتهاد و ذم التقليد و التعصب المذهبيين، منهم: أبو محمد القاسم

(1) عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، ص: 146، 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت