فهرس الكتاب

الصفحة 175 من 180

و المساواة، و التوازن و الاعتدال، و لا يقوم على التطرف و الغلو و التعصب للباطل، فالطوائف التي وقعت في التعصب المذهبي المذموم انحرفت عن الشرع الحكيم، و لم تلتزم به.

و ثانيها هو طبيعة العقائد و المقالات المكونة للمذاهب الفكرية الطائفية، فبعضها لها أصول صحيحة معتدلة، لا تبعث على التعصب الأعمى، و هذا ينطبق على المذهب السني فقط، و بعضها الآخر معظم أصولها باطلة متطرفة، تبعث على الغلو و التطرف و التعصب الأعمى، كمذاهب المعتزلة و الشيعة و الخوارج؛ و قد ضربنا على ذلك أمثلة كثيرة جدا في الفصول السابقة من كتابنا هذا.

و السبب الرئيسي الثالث يتمثل في ردود أفعال الأتباع المتمذهبين في تفاعلهم مع مذاهبهم -المعتدلة منها و المتطرفة-، فمن الطبيعي أنها تولّد فيهم الرغبة للانتصار لها و الدفاع عنها. لكن ردود الأفعال هذه تختلف حسب دوافعها العقيدية، و طبيعة نفوسهم، و قدراتهم و ظروفهم الاجتماعية المحيطة بهم، فمن كانت ردود أفعالهم سليمة خيّرة قائمة على مبادئ صحيحة، فهي أفعال شرعية تهدف -في الغالب الأعم- إلى الانتصار للحق. و من كانت ردود أفعالهم شريرة قائمة على مبادئ منحرفة باطلة، فهي أفعال غير شرعية تهدف -في الغالب الأعم- إلى الانتصار للباطل و التعصب المذموم، الذي تناولناه بالتفصيل في الفصول السابقة.

و أما الأسباب الثانوية، فهبي بمثابة عوامل مساعدة تولّدت عن الأسباب الرئيسية، و بعضها الآخر أفرزته تفاعلات الظواهر الاجتماعية فيما بينها؛ فساهمت كلها في انتشار التعصب المذهبي و اشتداد قوته، و اتساع دائرته، أذكر منها تسعة أسباب، أولها الدور السلبي الذي قام به العلماء المتعصبون، فهم الذين دعوا إلى التعصب المذهبي و نشروه، و شجّعوا عليه و شاركوا فيه، فكانت أفعالهم هذه مشاركة سلبية أججت التعصب و لم تحد منه.

و ثانيها الموقف السلبي لكثير من الخلفاء و الملوك و أعوانهم في التعامل مع ظاهرة التعصب المذهبي، فلم يسعوا إلى التخلّص منها، و لم يُحسنوا التعامل معها، فاتخذوا لأنفسهم مذاهب و تعصّبوا لها، و نصروها -على حساب المذاهب الأخرى- بالأقوال و الأفعال، فكانت أفعالهم هذه مشاركة سلبية كرّست التعصب المذهبي و أججته.

و ثالثها -أي الأسباب الثانوية- الأعمال السلبية التي قام بها الوعاظ المتعصبون، إنهم استغلوا وظيفتهم لنشر التعصب المذهبي و التشجيع على الفتن و المصادمات بين مختلف الطوائف الإسلامية، و الشواهد على ذلك كثيرة جدا، أذكر منها ثمانية، أولها يتعلق بالواعظ أحمد بن محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت