فهرس الكتاب
الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... (الفتح: 29) ، وقال: { ... أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ... } (المائدة: 54) [1] ويلاحظ هنا الثراء في المعنى، مع التجديد والابتكار في الأسلوب حيث عبر هنا عن الخداع بـ"اللدغ"وهو عض الحية، ويطلق على الرجل الطعان في أعراض الناس. فليتأمل في روعة التصوير النبوى!
ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم:"هذا حين حمى الوطيس" [2] "ويقصد النبى بذلك اشتدت الحرب وعظم الخطب، وهو مجاز، لأن الوطيس في كلامهم حفيرة تحتفر فيوقد فيها النار للاشتواء، ولا وطيس على الحقيقة، وإنما المراد شدة المصاع والتفاف الأبطال، واختلاط الرجال، ومن هنا قالت العرب: أوقدت نار الحرب بين آل فلان وآل فلان، وقال الله سبحانه مخرجًا للكلام على مطارح لسانهم ومعارف أوضاعهم: { ... كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ... } (المائدة: 64) . وتشبيه الحرب بالنار يكون من وجهين: أحدهما: لحر مواقع السيوف، وكرب ملابس الدروع، وحمى المعترك لشدة العراك وكثرة الحركات والوجه الآخر: أن يكون إنما شبهت بالنار لأنها تأكل رجالها، وتفنى أبطالها كما تأكل النار شعلها، وتحرق حطبها" [3]
وهذا غيض من فيض مما يزخر به البيان النبوى من الأصالة والابتكار، ومما انفرد به النبى - صلى الله عليه وسلم - من الفصاحة والبلاغة، ولم يسمع عن أحد قبله من العرب، ولم يتفق لأحد منهم في حسن بلاغتها وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، وهذه الاحاديث وغيرها قد صار مثلًا وأصبح ميراثًا خالدًا في البيان العربى [4]
المعانى في الحديث النبوى: النبى - صلى الله عليه وسلم - مبلغ عن ربه، مبين لأمره ونهيه، ولابد من أن يكون لديه من قوة الحجة، ووضوح البيان ما يتناسب مع هذه الرسالة العظيمة والغاية النبيلة الشريفة، ولقد سبق بيان ذلك عند الحديث عن جوامع الكلم في بيانه - صلى الله عليه وسلم -، فلا حاجة لإعادة الكلام فيه هنا. ولكن ما يعنينا هنا هو الحديث عن المعانى في بيانه - صلى الله عليه وسلم -، وتوضيح ذلك من الأهمية بمكان لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - برسالته قد ختمت رسالات السماء إلى الأرض، فلابد من أن يكون بيانه واضحًا للعام والخاص، وأن تكون معانيه مما يناسب تطور الأزمنة، وتغير الأمكنة، وأن يراعى في معانيه
(1) ينظر صحيح مسلم بشرح النووى - باب في أحاديث متفرقة - 18/ 124, وشرح الطيبى على مشكاة المصابيح 9/ 260,259
(2) أخرجه مسلم - كتاب الجهاد - باب غزوة حنين - 12/ 116. وانظر شرح صحيح مسلم للنووى 12/ 116
(3) ينظر المجازات النبوية ص 45
(4) ولمزيد من التفصيل ينظر إعجاز القرآن والبلاغة النبوية في موضوع"تأثير النبى صلى الله عليه وسلم في اللغة"ص 262 - 269