فهرس الكتاب

الصفحة 187 من 215

ثانيًا: التنوع والشمول: فالنبى - صلى الله عليه وسلم - بدعوته جاء لهداية البشرية وإرشادها في معاشها ومعادها. ومن هنا نجد معانى الحديث النبوى تتناول شؤون الدين والدنيا، فلا تقتصر معانيه على ما يتصل بالدين وحده أو الدنيا وحدها، بل تتنوع فيه المعانى وتختلف، فنجد من الحديث ما يتحدث عن الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، أو غير ذلك من العبادات. ونجد من الأحاديث الأخرى ما يتحدث عن الأخلاق كالحياء، والصدق، والصبر، والحلم، وغير ذلك. ومن الأحاديث الأخرى ما يتحدث عن المعاملات كالبيع، والسلم، والضمان، وغير ذلك. ومن الأحاديث ما يتصل بالآخرة كالجنة والنار، وغير ذلك، والمقام يضيق عن الحصر. ويضاف إلى ذلك غزارة المعانى في الأحاديث، فحديث واحد يتضمن من الأفكار والمعانى الكثير والكثير؛ لأن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أوتى جوامع الكلم، وخذ مثلًا حديث"إنما الأعمال بالنيات"الذى قال عنه الشافعى:"هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من أبواب الفقه" [1] ، وغير ذلك من أحاديث جوامع الكلم وغيرها.

ثالثًا: المرونة والسعة: وهذه الخصيصة مما تميزت به المعانى في الحديث النبوى، السعة والمرونة والقابلية لتعدد الأفهام، وهذه السعة والمرونة مماييسر ويوسع على الأمة في العمل وفى ذلك إثراء للمعنى. وهذه ميزة من الميزات التى اختص بها الإسلام بشكل عام، والحديث النبوى بشكل خاص. ومن ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا يصلين أحد العصر إلا في بنى قريظة" [2] فأدرك بعضهم

(1) وهذا الحديث متفق عليه من حديث عمر، وانظر شرحه في جامع العلوم والحكم ص 7 - 26

(2) أخرجه البخارى من حديث ابن عمر - كتاب الجمعة - أبواب صلاة الخوف - ح (923) - 2/ 506 - وفى كتاب المغازى - باب مرجع النبى من الأحزاب ومخرجه إلى بنى قريظة - ح (3969) - 7/ 471, وأخرجه مسلم - باب المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين - 12/ 97. ولكن في لفظ مسلم ذكر صلاة الظهر بدلًا من صلاة العصر. وقد جمع النووى بين الروايتين على أن هذا الأمر كان بعد دخول وقت الظهر وقد صلى الظهر بالمدينة بعضهم دون بعض فقيل للذين لم يصلوا الظهر: لا تصلوا الظهر إلا في بنى قريظة، وللذين صلوا بالمدينة: لا تصلوا العصر إلا في بنى قريظة. ويحتمل أنه قيل للجميع: لا تصلوا العصر ولا الظهر إلا في بن قريظة، ويحتمل أنه قيل للذين ذهبوا أولًا لا تصلوا الظهر إلا في بنى قريظة وللذين ذهبوا بعدهم لا تصلوا العصر إلا في بنى قريظة. وأما اختلاف الصحابة رضى الله عنهم في المبادرة بالصلاة عند ضيق وقتها فسببه أن أدلة الشرع تعارضت عندهم بأن الصلاة مأمور بها في الوقت مع أن المفهوم من قول النبى:"لا يصلين أحد الظهر أو العصر إلا في بنى قريظة"المبادرة بالذهاب إليهم، وأن لا يشتغل عنه بشئ لا أن تأخير الصلاة مقصود في نفسه من حيث إنه تأخير، فأخذ بعض الصحابة بهذا المفهوم نظرًا إلى المعنى لا إلى اللفظ، فصلوا حين خافوا فوات الوقت، وأخذ آخرون بظاهر اللفظ وحقيقته فأخروها، ولم يعنف النبى واحدًا من الفريقين لأنهم مجتهدون، ففيه دلالة لمن يقول بالمفهوم، والقياس، ومراعاة المعنى، ولمن يقول بالظاهر أيضًا، وفيه أنه لا يعنف المجتهد فيما فعله باجتهاده إذا بذل وسعه في الاجتهاد، وقد يستدل به على أن كل مجتهد مصيب، وللقائل الآخر أن يقول: لم يصرح بإصابة الطائفتين، بل ترك تعنيفهم، ولا خلاف في ترك تعنيف المجتهد إن أخطأ إذا بذل وسعه في الاجتهاد. صحيح مسلم بشرح النووى 12/ 98. ولقد ذكر ابن القيم في الهدى أن كلا الفريقين مأجور إلا أن من صلى حاز الفضيلتين: امتثال الامر في الإسراع، وامتثال الأمر في المحافظة على الوقت. فتح البارى 7/ 474

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت