فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 215

العصر في الطريق وقال بعضهم: لا نصلى حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلى لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف أحدًا منهم. فمن الصحابة من نظر إلى ظاهر اللفظ وحقيقته فأخر الصلاة إلى وقت العشاء، ومنهم من نظر إلى المعنى لا إلى اللفظ فصلوا حين خافوا فوات الوقت. وهنا نلمح أن معنى الحديث يحتمل الأمرين، وهذا الاحتمال مما أدى إلى مرونة الحديث وسعة معناه ليشمل كلا الفريقين. وهذا مما يعد من محاسن الإسلام. ومن هنا أخذ العلماء من هذا الحديث أحكامًا تتعلق بالاجتهاد ذكرها الإمام النووى في شرح صحيح مسلم، والحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخارى.

ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لحكيم بن حزام:"أسلمت على ما سلف من خير" [1] فهذا الحديث فيه أكثر من معنى. إما أن يكون ظاهره أن الخير الذى أسلفت كتب لك، والتقدير: أسلمت على قبول ما سلف لك من خير. وإما أن يكون معناه ما تقدم من الخير الذى عملته هو لك كما تقول: أسلمت على أن أحوز لنفسى ألف درهم. وأما من قال: إن الكافر لا يثاب فحمل معنى الحديث على وجوه أخرى منها: أن يكون المعنى أنك بفعلك ذلك اكتسبت طباعًا جميلة فانتفعت بتلك الطباع في الإسلام، وتكون تلك العادة قد مهدت لك معونة على فعل الخير، أو انك اكتسبت بذلك ثناء ً جميلًا، فهو باق لك في الإسلام، أو أنك ببركة فعل الخير هديت إلى الإسلام لأن المبادئ عنوان الغايات، أو أنك بتلك الفعال رزقت الرزق الواسع [2]

ومن ذلك أيضًا ما رواه أبو هريرة قال: جاء ناس من أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به قال:"وقد وجدتموه"قالوا: نعم. قال:"ذاك صريح الإيمان" [3] فقوله - صلى الله عليه وسلم:"ذاك صريح الإيمان"، و"محض الإيمان" [4] معناه: استعظامكم الكلام به هو صريح الإيمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به فضلًا عن اعتقاده إنما يكون لمن استكمل الإيمان استكمالًا محققًا، وانتفت عنه الريبة والشكوك. والرواية الثانية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد، وهى مختصرة من الرواية الأولى. وقد يكون المعنى أن الشيطان

(1) سبق تخريجه عند بحث الجناس في الحديث النبوى. ص 115

(2) انظر صحيح مسلم بشرح النووى 2/ 141,140, وفتح البارى 3/ 354

(3) أخرجه مسلم من حديث أبى هريرة - باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها - 2/ 153.

(4) وهذا اللفظ رواية لمسلم من حديث علقمة بن عبد الله قال: سئل النبى صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال"تلك محض الإيمان"2/ 153

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت